ففي زمن كانت فيه المنطقة فضاءً مفتوحًا على التنافسات المحلية والولاءات المتفرقة، برزت الدرعية كنواة مشروع مختلف، مشروع يقوم على تحويل الاجتماع البشري من حالة التشتت إلى حالة التنظيم، ومن منطق العصبية إلى منطق الدولة. لم يكن التأسيس مجرد انتقال سلطة، بل انتقال مفهوم من ولاء عابر إلى كيان مستمر، ومن نفوذ محدود إلى شرعية تتكئ على فكرة النظام.
لقد أسست الدولة السعودية الأولى لنمط سياسي يقوم على مركزية القرار، وتأمين طرق التجارة، وإرساء قواعد العدالة، وهي عناصر تمثل بلغة اليوم الشروط الأولية لقيام الدولة الحديثة. ومع التحديات التي واجهته في أطواره المختلفة، أثبت المشروع السعودي أن الفكرة القادرة على التجدد أقوى من الانقطاع السياسي.
ثم جاءت لحظة استعادة الرياض على يد المغفور له -بإذن الله- الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عام 1902، لتؤكد أن التأسيس مسار ممتد يعيد بناء نفسه كلما اقتضت الظروف.
ومع إعلان توحيد المملكة عام 1932، دخل المشروع السعودي طور الدولة الحديثة، حيث أصبحت السيادة محددة بحدود، والعلاقة بين الحاكم والمجتمع قائمة على معادلة الأمن مقابل الاستقرار والتنمية.
غير أن خصوصية يوم التأسيس لا تكمن فقط في سرديته التاريخية، ولكن في دلالته الإستراتيجية، فالدولة التي نشأت في قلب الجزيرة العربية استطاعت عبر ثلاثة قرون أن تتحول من كيان إقليمي ناشئ إلى فاعل مركزي في النظامين الإقليمي والدولي، وهذا التحول نتيجة تراكم مؤسسي طويل حافظ على ثوابت الهوية. فالمملكة اليوم دولة تمارس دورًا محورًا في معادلات الطاقة العالمية، وفي استقرار الأسواق، وفي هندسة التوازنات الإقليمية. إنها دولة أدركت أن السيادة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بسلامة الحدود، بل بقدرة القرار الوطني على التأثير في شبكات الاقتصاد والسياسة والأمن.
ومن هذا المنظور، يصبح يوم التأسيس قراءة في منطق الاستمرارية، التي جعلت الدولة تنتقل من تثبيت أركانها الداخلية إلى صياغة حضورها الدولي. وكيف تحافظ على هويتها في عالم تتآكل فيه الهويات تحت ضغط العولمة، وقد أثبتت الدولة السعودية عبر التاريخ بأن الإجابة في ثبات الأساس، ومرونة في الوسائل.
واليوم في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، من إعادة تشكيل موازين القوى إلى صعود أقطاب جديدة، تواصل المملكة تموضعها بوصفها قوة توازن إقليمي ودولي. فخادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، يقود المملكة هذه الأيام في مرحلة ترسيخ الثوابت الإستراتيجية للدولة، مؤكدًا مركزية القرار الوطني واستقلاليته، ومعززًا حضور المملكة في دوائر التأثير الدولي، بينما يمضي سمو ولي العهد -حفظه الله- في إعادة صياغة أدوات القوة الشاملة، من تنويع الاقتصاد إلى بناء منظومات دفاعية متقدمة، إلى توسيع الشراكات العالمية شرقًا وغربًا، بما يحول الرؤية الوطنية إلى مشروع إعادة تموضع شامل للمملكة في قلب النظام الدولي الجديد.
بهذا المعنى يكون يوم التأسيس وقفة عند الماضي، ومنصة انطلاق نحو المستقبل. إنه تذكير بأن الدولة، التي بدأت من وادي حنيفة، استطاعت أن تعبر ثلاثة قرون من التحولات، وأن تتحول من فكرة استقرار محلي إلى ركيزة توازن إقليمي، ومن كيان ناشئ إلى دولة ذات تأثير كبير في معادلات الطاقة والسياسة والأمن العالمي.
إنه يوم نقرأ فيه التاريخ بعين الحاضر، ونفهم كيف تحولت الدولة من نواة سياسية إلى فكرة دولة راسخة الجذور، ممتدة الأثر، متجددة الطموح.
اللهم اجعل حاضر بلادنا امتداد عز لماضيها، ومستقبلها أوسع أفقًا من طموحها، وارزق شعبها التلاحم والمحبة تحت قيادة سيدي خادم الحرمين الشريفين وولي عهده.