وفور قراءتي الخبر المفرح، انصرفتُ للبحث أكثر عن التفاصيل، فخرجتُ بجملة من النتائج الرائعة في الحقيقة، من أهمها بشكل عام – في نظري – أنّ هذا المعهد سيكون منارة شامخة لدراسة الإنسان والمجتمع والثقافة في السعودية.
ولا شك أنّ هذا مهم جدًا، فبلادنا لها قيمة كبيرة ومكانة خاصة في حقل الدراسات الإنسانية والثقافية؛ لما تتمتع به من امتداد تاريخي وحضاري عميق وموغل في القِدم منذ قرون طويلة وإلى عصرنا هذا، إضافة إلى ما فيها من تعدّد ثقافي مختلف الأشكال والألوان، وتنوّع اجتماعي ومناطقي كبير، من حيث أنماط الحياة، واللهجات والمذاهب الدينية، والعادات والتقاليد، والفنون والآداب والنشاطات المختلفة، وغير ذلك من الأمور التي تكوّن في مجموعها مادة ثريّة تستحق وتحتاج إلى الكثير من البحث والتحليل والدراسة، لفهم ونقد وتوثيق ذلك الموروث الإنساني الثقافي الواسع.
والحقيقة التي يجب أنْ نعلنها اليوم بأعلى صوت، هي أنّ الكثير من الأمور الجميلة والمهمة والمفيدة التي كانت مرفوضة قبل رؤية السعودية 2030، فُتح لها اليوم الباب على مصراعيه، فالحمد لله الذي جعلنا نبلغ هذه المرحلة العالية من الوعي والنضج والتقدّم.
الموافقة على إنشاء هذا المعهد، خطوة سليمة في الطريق الصحيح، وهي مثال واحد فقط من مئات الأمثلة التي تُظهر جليًا أننا تغيّرنا فعلًا للأفضل، وتخلّصنا من كثير من العوائق التي ما أنزل الله بها من سلطان، فمجال هذا المعهد «الأنثروبولوجيا» كان من المجالات التي عانتْ وعانى المهتمون بها في بلادنا، حيث وقفتْ قوى معينة في السابق دون إبراز هذا العلم، ومن ذلك مثلًا عدم وجود أقسام متخصصة بالأنثروبولوجيا في الجامعات السعودية، حالها حال «الفلسفة» التي كانت تُحارب زمنًا طويلًا، قبل أن يبدأ الوضع بالتغيّر التدريجي إلى الأفضل، مع هذه الرؤية المباركة الطموحة.
قلتها سابقًا، وأكرّرها اليوم بصياغة جديدة تناسب موضوع هذه المقالة:
حُرمنا في بلادنا سابقًا من دراسة الأنثروبولوجيا والفلسفة والموسيقى وغيرها، كما حرمنا من أشياء أخرى كثيرة مشابهة وغير مشابهة، تفرّدنا بالحرمان منها دون كلّ الشعوب، بحججٍ واهية أزكمت أنوفنا بتكرارها جمعٌ من المنتمين لتيار فكريّ متطرّف! نجح في أدلجة وبرمجة عقول الكثيرين – للأسف – طيلة عقود طويلة، فسيطرتْ تحت مظلته التبعيّة والتعويد على التقليد والتلقّي بالتلقين، ولكن ذلك العصر انتهى والحمد لله إلى غير رجعة.
وما زال أملنا كبيرًا، في زيادة الاهتمام بالأنثروبولوجيا والفلسفة والفنون، وفتح أقسام متخصصة لها في الجامعات.
الجميل – أيضا – أنّي عندما أوشكتُ على إنهاء هذا المقال، وجدتُ خبرًا جديدًا مبشّرًا ذا علاقة، بثته وكالة الأنباء السعودية أثناء كتابتي المقال، وهو صدور أمر ملكي بتأسيس «جامعة الرياض للفنون»، ومقرها مدينة الرياض؛ لتكون جامعة متخصصة في مجالات الثقافة والفنون تحت إشراف وزارة الثقافة. وسأكتب عن هذا الخبر المهم لاحقًا إن شاء الله.
أبارك لوطني العزيز تأسيس المعهد الملكيّ للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، الذي – كما أوضح وزير الثقافة بعد صدور الموافقة – سيمثل راويًا موثوقًا لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان، ومنصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجّع التبادل الثقافي العالمي.