في ذلك العام، بدأت ملامح الدولة السعودية الأولى تتشكل على يد الإمام محمد بن سعود، في زمن كانت فيه الجزيرة العربية تعيش حالة من الانقسام، والصراعات القبلية، وضعف الاستقرار، وغياب السلطة المركزية.
لم يكن تأسيس الدولة حينها أمرًا سهلاً، ولا مشروعًا مضمون النجاح، كان حلمًا كبيرًا في بيئة قاسية، وإرادة سياسية في أرض اعتادت الاضطراب، لكن الفارق أن ذلك المشروع لم يُبنَ على القوة وحدها، بل على فكرة أن الإنسان لا يمكن أن يزدهر بلا أمن، ولا يمكن أن يبدع بلا استقرار، ولا يمكن أن يتقدم بلا دولة تحميه وتنظّم حياته.
يوم التأسيس هو اليوم الذي بدأ فيه هذا التحول العميق، من قبائل متفرقة، إلى كيان سياسي، من طرق غير آمنة، إلى مسارات مستقرة، من خوف دائم، إلى شعور بالانتماء، هذا التحول لم يكن مادياً فقط، بل نفسيًا واجتماعيًا وثقافيًا.
لأول مرة، أصبح هناك مشروع واضح، دولة تقوم على وحدة الأرض، ووحدة القرار، ووحدة المصير، دولة لا تعيش على ردود الفعل، بل على رؤية للمستقبل، قد يظن البعض أن الحديث عن 1727 حديث عن الماضي، لكن الحقيقة أن يوم التأسيس هو حديث عن الحاضر بقدر ما هو حديث عن التاريخ؛ لأن ما نراه اليوم من استقرار، وتنمية، وتأثير عالمي، لم يأتِ فجأة، بل هو امتداد لذلك القرار الأول، أن تكون هذه الأرض دولة، لا ساحة صراع.
حين ننظر إلى المملكة اليوم، ونراها لاعبًا مؤثرًا في الاقتصاد، والسياسة، والثقافة، والرياضة، والسياحة، ندرك أن الحلم القديم لم يتوقف عند حدود التأسيس، بل تطور، ونضج، وتوسع، من دولة تبحث عن البقاء، إلى دولة تنافس على الريادة.
يوم التأسيس يذكّرنا بأن ما نعيشه اليوم من أمن ورخاء لم يكن قدرًا عشوائيًا، بل نتيجة تراكم طويل من التضحيات، والقرارات الشجاعة، والعمل المستمر عبر ثلاثة قرون، هو ثمرة رجال آمنوا بأن بناء الدولة أصعب من كسب المعركة، وبأن الاستقرار أغلى من المكاسب المؤقتة.
هذا اليوم أيضًا يعيد تعريف مفهوم الوطنية، الوطنية ليست مجرد احتفال، أو شعار، أو صورة، الوطنية وعي بالتاريخ، ومسؤولية تجاه الحاضر، والتزام بالمستقبل، أن تدرك أن ما بين يديك اليوم أمانة، بُنيت عبر أجيال، ولا يجوز التفريط فيها.
في زمن التحديات العالمية، والتغيرات السريعة، يصبح يوم التأسيس لحظة تأمل: كيف حافظ هذا الوطن على تماسكه؟ كيف تجاوز الأزمات؟ كيف حافظ على هويته وهو ينفتح على العالم؟.
الجواب في جذور التأسيس نفسها: دولة قامت على التوازن بين الأصالة والتجديد، بين الثبات والتطوير، بين الهوية والانفتاح، وهذا ما نراه اليوم متحققًا في رؤية وطنية طموحة، تسعى لبناء اقتصاد متنوع، ومجتمع حيوي، ووطن طموح،
يوم التأسيس ليس احتفالاً بالماضي، بل تأكيد على الاستمرار، هو رسالة تقول: ما بدأناه في 1727 لم ينتهِ بعد، ما زال الحلم مستمرًا، وما زال البناء قائمًا، وما زالت الطموحات أكبر من الحدود.
في هذا اليوم، لا نحتفل فقط بتاريخ الدولة، بل نحتفل بإرادة شعب، ووعي قيادة، ومسار أمة اختارت أن تكون حاضرة في العالم، لا هامشًا فيه.