فحين يشعر الناس أن القوانين لم تعد حارسًا للإنصاف بل حارسًا للأرقام، وأنها كُتبت بمداد المصلحة لا بمداد الضمير، ينهض الوعي من سباته الطويل لا ليصرخ بل ليتقدم، لا يهدم بل ليطالب بإعادة البناء من الأساس، من الحرف الأول في النص، ومن الفكرة الأولى في الدولة.
باريس تعرف هذا الطريق جيدًا، تعرفه كما تعرف نهرها، وكما تحفظ حجارة جسورها، فكلما اختل الميزان عادت إلى ذاكرتها وفتحت دفاترها القديمة، وقرأت بصوت عال: «هنا لا يمر الظلم بهدوء»، وكأن التاريخ الملول من التكرار قرر أن ينسخ نفسه مرة أخرى في هذا العام دون أن يغير العنوان، والاسم هذه المرة بارد وبلا موسيقى «قانون تمويل الضمان الاجتماعي»، إلا أن خلف هذا الاسم تختبئ أسئلة وجودية عن الصحة بوصفها حقًا لا امتيازًا، وعن الشيخوخة بوصفها كرامة لا عبئًا، وعن الدولة حين تضيق مواردها، وهل تشارك الجميع في الثمن، أم تختار الأسهل؟.
وقد أرادت الحكومة للنص أن يعبر سريعًا، أن ينزلق بين الأيام قبل أن ينتبه الشارع، قالت إن الضرورة تفرضه، وإن العجز لا ينتظر، لكن الشارع الذي تعلم القراءة خارج الهوامش قرأ ما لم يكتب، وشعر أن العبء يميل، وأن الكفة لا تستوي، فوقف في وجه العجلة وقال: «التسرع ليس حلا والعدالة لا تختصر».
وكان الأطباء أول من سمع ارتجاف النص، فرأوا في سطوره يدًا تمتد إلى استقلال مهنتهم وتعيد رسم حدود حريتهم، وتضع سعرًا للجهد الإنساني في خانة ضيقة، فلم يحتجوا دفاعًا عن دخل فقط، بل عن معنى العمل حين يفرغ من كرامته، وجاءت معهم النقابات واليسار، وكل من شعر أن الفاتورة كتبت بلغة يعرفها الفقراء جيدًا، بينما تخفى عن الأغنياء بين السطور.
ولم تنج قاعات البرلمات هي الأخرى من هذا الصدع، فتكسرت الكلمات تحت القبة، وتعثرت الأغلبية، وعاد القانون من مجلس إلى مجلس كمسافر لا يجد محطة ترضى به، بلا إجماع ولا يقين، فقط نص يقف في المنتصف، لا هو مقبول ولا هو مرفوض بالكامل، يشبه وطنًا يسأل عن وجهته، ومع ذلك لم تغلق باريس أبوابها مطلقًا، لقد تركت نافذة مفتوحة للحل، ولإمكانية أن يجلس المختلفون حول طاولة واحدة، لا لاقتسام النفوذ بل لإعادة الاعتبار لفكرة القانون ذاتها، فالقانون في وعي هذه المدينة ليس سيفًا يشهر بل عقدًا أخلاقيًا يوقع عليه الجميع.
ومن هنا يظهر الفرق الذي لا يقاس بالأرقام، بين انتفاضة تشبه النور حين يتسلل ببطء إلى غرفة مظلمة، وانتفاضة تشبه النار حين تلتهم كل شيء، بين شعب يحتج ليحمي دولته، وآخر يدفع ليهدمها دون أن يدري، لذلك ستظل باريس مهمًا تغيرت الأزمنة مرآة عالية أمام العالم، تقول دون خطابة ودون شعارات «إن الوعي حين ينهض، لا يبحث عن الخراب بل عن المعنى..
وإن الوطن لا يُنقذ بالصمت ولا بالقوانين الجوفاء، بل بشعب يعرف متى يقول لا، ومتى يفتح الطريق لنعم أكثر عدلا، وستبقى عاصمة النور تعطينا درسًا مفتوحًا في كتاب التاريخ» أن الشعوب الواعية لا ترفض القوانين لأنها قوانين، بل لأنها تريدها عادلة، وأن باريس وإن تغيرت بها الأزمنة، ستظل المدينة التي تذكر العالم أن الوعي حين ينتفض، لا يفعل ذلك ليكسر الوطن بل ليعيد إليه روحه.