في كتابه “مستقبل الفكر الإنسانيّ” The future of mind يقول ميتشيو كاكو، عالِم الفيزياء الأميركيّ من أصل يابانيّ، إنّ أكبر لغزَيْن في الكون هُما: بداية الكون ودماغ الإنسان. ونَقرأ في عدد فبراير الماضي من مجلّة “العلوم الأميركيّة” Scientific American مقالاً مطوّلاً في الموضوع نفسه تحت عنوان ” لماذا يُشكِّل الوعيُ الذاتيّ المعضلة الأكبر في فيزياء العلوم؟”.
على العموم، كان العِلميّون يتجنّبون البحث في موضوع “التفكير والوعي الذّاتيّ الإنسانيّ”، وبقيَ أمره مقتصراً على مجال الفلسفة حتّى أواخر القرن الماضي. على أنّ الأمور تغيّرت في ما بعد، وظهرت مراكز بحثيّة عدّة اهتمّت بالموضوع، ونَشرت عشرات الكتب العلميّة فيه.. علاوةً على مئات، بل ربّما آلاف المقالات التي تناولته، ومع ذلك لم نَزَل لا نعرف عنه إلّا القليل.
نعم، لم يَزل التفكيرُ في دماغ الإنسان على مبعدة كبيرة من إمكانات التفسير بقوانين العلوم الأساسيّة (والفيزياء منها بشكلٍ خاصّ)، ولم يَزل هذا التفكير يُحيِّر العُلماءَ والفلاسفةَ على حدّ سواء. ومنذ بداية الحضارة الإنسانيّة وحتّى زمننا الرّاهن، نَلحظ استطراداً أنّه يُعاد إنتاج الأسئلة عيْنها: ما هي الروح؟ مَن هو أنا؟ كيف نفكّر؟ وأين هو موقعنا في هذا الكون العظيم؟
وعلى الرّغم من كلّ المحاولات، ومهما تعمَّقنا في نظريّات علوم الفيزياء الحديثة، واستخدمناها، مثلاً، في عمليّة تفهُّم طرائق التفكير والوعي، ما زالت الأحجية قائمة.. وهذا في المُقابل، لم ولن يَجعلَنا نُسقِط من حساباتنا الاعترافَ بالأهميّة المتزايدة لهذا التقدُّم الهائل والحاصل على جبهة دراسة الدماغ البشريّ وعمله.
ودماغ الإنسان لا يَزِن أكثر من 2% من وزن جسم الإنسان، إلّا أنّه يَستهلك 20% من الطّاقة التي يَستهلكها الإنسان (65% من طاقة الطفل). وهنالك أكثر من 80% من المؤشّرات الوراثيّة/ الجينيّة ترتكز في الدماغ، وما يزيد على 100 بليون عصبونة في دماغ كلٍّ منّا، وأضعافها لجهة الترابُط والمسارات بين هذه العصبونات.
واللّافت أنّ كلّ آليّات العِلم الحديث (عِلم الفيزياء وعلوم الأعصاب) ما زالت لا توفِّر أدواتٍ جيّدة لتحليل عمل الدماغ، بما في ذلك إدارة مُختلف العمليّات البيولوجيّة للكائنات الحيّة واتّخاذ القرارات الإراديّة وغير الإراديّة، وكذلك إدارة الأحاسيس والحواسّ واستخدامها.
مسألة ابتكار آليّة التصوير بالرنين المغناطيسي – MRI (أداة حديثة متقدّمة للقيام بمسحٍ للدماغ البشري) أَحدثت تغييراً جذريّاً على مستوى علوم الأعصاب neuroscience. ومن بعدها جاءت صيغٌ متعدّدة مُماثلة، لكنّها لم تَنجح حتّى الآن في تحليل عمل الدماغ والتفكير.
واستخدام MRI مَكًن الباحثين من قراءة حركة الدمّ في الدماغ (واستطراداً نشاط التفكير). وإذا كان هنالك مريضٌ مُصاب في دماغه، فبالإمكان وضْع رقاقة إلكترونيّة على جبينه، من شأنها أن تُعلِمنا بما يَجري في دماغه.
ومن المُحتمل أنّه عندما يَكتمل حلُّ سائر مسارات الأعصاب في الدماغ، يُمكن للباحثين أن يتفهّموا أكثر نشاطَ عملِ الدماغ، والأمراض المرتبطة به. كما يُصبح بإمكان المَعنيّين توليد نسخة إلكترونيّة من الدماغ ونقلها مباشرةً إلى الحاسوب لدراستها وفهْمِ آليّات عملها وتطوّراتها. والتقدّم في هذا المجال كبير، وربّما في المستقبل البعيد نتوصَّل إلى قيام دراسة، بل دراسات جادّة حول التفكير والوعي الذّاتي Consciousness، وخصوصاً أنّ الحواسيب المتقدّمة باتت قادرةً اليوم على تسجيل الإشارات الكهربائيّة في الدماغ وحلّ التركيز فيها جزئيّاً لتكون مفهومة إلى حدٍّ ما من طَرَفِ المُختصّين، الأمر الذي يُمكّنهم من إيجاد آليّةٍ للتواصُل المباشر Interface بين الحاسوب والدّماغ.
أوّلاً: فيزياء دماغ الإنسان
تَشمل علومُ فيزياء الإنسان العمليّاتِ الكيميائيّة والكهربائيّة، والطّاقة واستخداماتها، والمبادئ الفيزيائيّة التي تَحكم أنشطةَ الأعصاب. وتُرسل العصبونات، العقد العصبيّة، إشاراتٍ بنبضاتٍ كهربائيّة عَبْرَ المشابك العصبيّة (Synopses) محوِّلةً الطّاقة الكيميائيّة من الغلوكوز إلى طاقةٍ يَستخدمها الدّماغ. وتوصي نظريّاتُ الحراجة Criticality theory أنّ الدماغ يَعمل على حافّة التوازُن بين النظام والفوضى لجهةِ تمثُّل مُعالَجة المعلومات. ويوفِّر عِلم الفيزياء الأطرَ لفهْمِ الصفات الكهربائيّة للدماغ، وهي التي تَحكم أساليب مثل المسوحات والتصوير الطبّي PET Scan لإظهار كيف تستهلك الطاقة.
أساليب دراسة فيزياء الدّماغ والوعي الذاتيّ
- تقنيّات التصوير: تُستخدَم تقنيّات التصوير، مثل مسوحات PET المبادئ الفيزيائيّة، لتُسجِّل استهلاكَ طاقة الدماغ وأنشطته، وقياسها.
- النماذج الرياضيّة: تمَّ تطوير نماذج رياضيّة من النظريّات الفيزيائيّة لمُحاكاة عمل الدماغ وللمُساعَدة في كشْفِ الترابُط المعقّد بين مختلف الوظائف داخل الدماغ.
ثانياً: فيزياء الذكاء البشريّ والوعي الذّاتيّ
الوعي/ الإدراك الذاتيّ Consciousness
نحن ما زلنا لا نعرف كيف ومتّى تطوَّرَ الدماغ عند الحيوان أوّلاً – ولا عند الإنسان بَعد ذلك – لإدارة متطلّبات الحياة البيولوجيّة داخل الجسم الحيّ أوّلاً، ولإدارة العلاقة مع الخارج بَعد ذلك. ولا نعرف متى ولماذا وكيف تطوَّرَ التفكيرُ والوعيُ الذّاتي لدى الإنسان، وبشكلٍ خاصّ تطوير قدرته على تطويع محيطه لتحسين ظروف حياته. وهذه القدرة هي ما مَيَّزَ الإنسان عن باقي الحيوانات، وأعطاه القدرةَ على الابتكار والإبداع. وما زلنا لا نعرف على أيّ مدىً تطوَّرَ الدماغ عند مختلف أجناس الحيوانات، ما يَجعلها تتميّز في ما بينها بشكلٍ واضح في تعاملها مع المحيط حولها.
لقد بَدأتِ الحاجةُ للدماغ تَظهر، على الأرجح، مع امتلاك الكائن الحيّ الأحاسيس البدئيّة – مثل الجوع والألم والنَّظر والسَّمع وغيرها بعد ذلك – وتطوُّر إدارة عمليّات الاستقلاب الداخلي لتحويل الطعام إلى طاقةٍ قابلة للاستخدام في مختلف المجالات. وبتطوُّرٍ استغرقَ، على الأرجح، بلايين السنين، بَدأت مسألةُ القدرة على التفكير تنمو في إطار القضايا الأبعد عن الحاجات البيولوجيّة، مثل الحشريّة والعواطف والتحليل واستشراف المُستقبل.
وليس هنالك حتّى الآن أيّ تفسيرٍ علميّ لما هو الوعي الذّاتيّ، ولا كيف يتكوّن لدى الإنسان. كما أنّه من غَير المعروف ما إذا كان لدى الكائنات الحيّة الأخرى “وعيٌ ذاتيّ” أو إذا ما كانت الكائنات الجامدة، ومنها الحاسوب، بإمكانها أن تَمتلك مِثل هذا الوعي.
ويُعرَّف الوعي الذّاتي لدى الإنسان بأنّه القدرة على إدراك الذّات وإدراك المُحيط، والقدرة على التفاعُل مع الآخرين.
وليس هنالك، إلى اليوم، أيّة آليّة أو وسيلة علميّة لالتقاط الوعي لدى الآخرين أو التأكُّد من وجوده أو عدم وجوده.
وتشير فكرة الوعي الذاتيّ إلى مفهومَيْن مُختلفَيْن، لكنّهما مترابطان. الأوّل هو القدرة الوظائفيّة على الإحساس بالمُحيط الخارجي والتصرُّف بمعرفةٍ ذاتيّة بما لدى المرء من أفكار وما حوله من محيط.
والمفهوم الثاني هو قدرة المرء على أن تتكوّن لديه مشاعر وتجارب على مستوى داخله كلّه، وفي الأخصّ دماغه. وقد سُمّي ذلك كاليا qualia، وهذه المشاعر والأحاسيس لا يُمكن التقاطها من الخارج.
ويَشمل الوعيُ الذّاتيّ كلَّ أبعاد التفكير والذكاء والذاكرة. وإلى اليوم ليست هنالك “أيّة علوم” قادرة على تفسير هذه المفاهيم. ولا على التعامُل معها.
كذلك ليس هنالك أيّ تفسير “للوعي” في أثناء النوم، ولا لتشكُّل الأحلام، ولا ماذا يكون عليه الحال في ظروف الإغماء والتخدير.
لكنّ تطوُّر الذكاء الاصطناعي سَمَحَ لبعض الخبراء بافتراض أنّ التطوّر التكنولوجي سيُمكِّن من ربْط الذكاء الداخليّ الذاتيّ بالدماغ البشريّ عَبر القدرات الحاسوبيّة من الخارج، بما قد يَسمح بالتعرُّف عن قرب إلى ماهيّة التفكير والوعي الذّاتي ومضمونه. والسبب في ذلك، هو افتراض أنّ هذه المشاعر والأحاسيس الذاتيّة تُتيح التفاعُلَ والتعامُلَ المعقّد مع المعلومات داخل الدماغ، ما يَجعلها في المستقبل قابلةً للتفاعُل مع آليّات التعامُل مع المعلومات في الخارج.
ويبقى السؤال: هل تتسبَّب بالتفكير والوعي الذاتي عوامل ماديّة تَخضع لقوانين الطبيعة التي يَعرفها العِلم، أم أنّ ذلك يَنتج عن مكوِّنٍ خارقٍ خارج هذه القوانين؟
الإدراك الذاتيّ نَوعٌ من “تراكُم المعلومات الجينيّة”
تُركِّز هذه النظريّة التي طَرحها العالِمُ الأميركيّ راي كورزول على أنّ تَطوُّرَ تكوين الكون والحياة، هو كلٌّ مترابط، بما في ذلك تطوُّر دماغ الإنسان والتفكير والوعي الذاتيّ؛ وبالتالي فإنّ تطوُّر الذكاء البشريّ، والإدراك الذّاتيّ إنّما هو نتيجة غَير مباشرة لتطوُّر تركيبة الكون.
ومَن يَدرس تطوُّر الكون يَلحظ أنّنا نعيش في كونٍ تَلاقت فيه ثوابت كانت كلّها حرجة في إطار نطاقٍ ضيّق جدّاً، كان التغيُّر يؤشِّر إلى أنّ أيّاً منها قد يؤدّي إلى تغيُّرٍ جذريّ في تركيبة الكون، وربّما إلى استحالة وجود حياة، وبالتالي استحالة وجود الإنسان والتفكير والوعي الذاتيّ. فهذا التوازن في ثوابت الكون، هو الذي سَمح بالتطوّر الذي نعرفه اليوم، أي في ما وصلنا إليه على مستوى مندرجات الفكر الإنساني بعيْنه.
وخلال مراحل التطوُّر ظَهرتِ الحياة، ثمّ تراكَمت المؤشّراتُ الجينيّة DNA، فتشكَّل الدماغُ لدى الحيوان، ومن ثمّ تطوَّرَ إلى كائناتٍ حيّة أخرى، في الطليعة بينها الإنسان.
ونَجح الإنسانُ في تطويرِ هذه المؤشّرات الجينيّة، الدماغ، لترجمة “الأفكار” إلى أعمالٍ معقّدة، ولاستخدامِ هذه الأفكار لابتكار تكنولوجيّات، ثمَّ تخزين المعلومات ومُراكمتها بشكلٍ مُتصاعد. وأدّى ذلك إلى توسُّعٍ في حجْم الدماغ، يوازي بحسب التقديرات حوالى إنش مكعّب كلّ 100 ألف سنة.
فيزياء الإدراك والوعي الذّاتيّ
إنّ الإدراك أو الوعي الذاتيّ، هو إحساس ذاتيّ لم يحظَ الى اليوم بتفسيرٍ علميّ، ولم تكُن هناك أيُّ جدوى من خضوعه للعلوم المعروفة.
ومن الأسئلة المطروحة اليوم حول الموضوع:
هل الإدراك والوعي الذاتيّ يَنتج عن نُظُمٍ فيزيائيّة في الدماغ؟
هل هو مكوّن أساسيّ مُستقلّ في تركيبة الكَون مثل المكان والزمان؟
هل يُمكن تفسيره بعمليّاتٍ كموميّة، وبالتالي فهو يخضع للمُعادلات الكموميّة؟
الوعي الذّاتيّ وميكانيكا الكمّ
إنّ منطقَ ميكانيك الكمّ يَرتكز على مبدأ أنّ المُراقَبة تؤثِّر على الحقيقة وتغيّرها، أي تكون النُّظم الكموميّة في حالةٍ هلاميّة إلى أن يتمّ مُراقبتها؛ والتساؤل يشمل:
- إلى أيّ مدى يَلعب الإدراكُ دَوراً في انهيار الدالة الموجيّة للجسيم المراقب؟
- نظريّة بنروز هايمروف Penrose-Hameof: هل الإدراك يَنشأ من التناسُق الكمومي في الأنابيب الميكرويّة في خلايا الدماغ؟
- هنالك مؤشّرات غَير مؤكّدة، ولا يُمكن تفسيرها، تُشير إلى أنّ الدماغ قد يكون تناسقاً كموميّاً؛
- إنّ التناسق الكموميّ يتكوّن في كلّ الأجسام الحيّة، ومن تلك المؤشّرات: إيجاد الطيور لطريقها الجغرافي في الجوّ، والتمثيل الضوئي Photosynthesis.
- ومن المُمكن أنّ بعض العمليّات في الدماغ تَعكس إجراءاتٍ كموميّة. والسؤال: هل يُمكن للإدراك والوعي الذاتيّ أن يُمثِّل عمليّةَ اندماج معلومات كموميّة في الدماغ؟
تداخُل العلوم المختصّة
قد يؤدّي الذكاءُ الاصطناعيّ ودراسة “الإدراك الذاتيّ” إلى تداخُل علوم مثل: علوم الأعصاب، والرياضيّات، وعلوم الحياة. وكلّها تتداخل مع الفلسفة والفنون. فما الذي سيأتي بعد ذلك؟
- هل سنَصِل إلى توحيد المادّة والفكر؟
- هل سنَصِل إلى اكتشاف أبعادٍ متعدّدة للوعي؟
- هل سنَصِل إلى وضْع قوانين علوم متطوّرة ذاتيّاً؟
- وجوابنا عن هذه الأسئلة مُجتمعة، هو أنّ هدف العلوم، ليس الوصول إلى إجاباتٍ نهائيّة، وإنّما البحث المُستمرّ سعياً وراء تفهُّم الكون وأسراره.
*كاتب من لبنان
* يُنشر بالتزامن مع دورية «أفق» الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي