هذا التوجه ليس وليد اللحظة وهذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لتجربة طويلة أثبت فيها السعودي حضوره وتميزه في مختلف القطاعات. فحين أُتيحت له الفرصة، أثبت قدرته على الإنجاز، وتجاوز الصورة النمطية التي رُوجت لعقود، ليصبح عنصرًا فعالًا في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وفي المقابل، ومع التوسع في الاستعانة ببيوت خبرة عالمية مثل McKinsey & Company وBoston Consulting Group وPwC، ورغم دورها في دعم التخطيط ونقل أفضل الممارسات، إلا أن التجربة في بعض المشاريع داخل المملكة أظهرت أن هذه النماذج لم تحقق دائمًا النتائج المتوقعة على أرض الواقع، خصوصًا عندما لا تُكيف بما يكفي مع خصوصية البيئة السعودية. وقد برزت فجوات بين الطرح النظري والتطبيق العملي، وهو ما أكد في النهاية أن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بوجود كفاءات وطنية تقود التنفيذ وتفهم السياق بشكل عميق.
ومن هنا، يمكن فهم قرارات التوطين ليس فقط كسياسات تنظيمية، بل كنتيجة مباشرة لنجاح المواطن السعودي، وكخيار إستراتيجي أثبت جدواه عمليًا، لا كردة فعل أو بديل مؤقت. وفي هذا السياق، من المهم التأكيد على أن نجاح هذه القرارات لا يكتمل إلا بالتطبيق الفعلي من قبل جميع القطاعات وخصوصًا القطاع الخاص، بعيدًا عن أي ممارسات شكلية أو تحايل على الأنظمة، لأن الهدف ليس تحقيق نسب فقط، بل تمكين حقيقي ومستدام للكفاءات الوطنية.
ولا يمكن إغفال أن المملكة كانت، ولا تزال، بيئة جاذبة للكفاءات من مختلف دول العالم، حيث وفرت فرصًا مهنية متميزة، ورواتب تنافسية، ومستوى معيشة متقدمًا، مكن الكثير من المقيمين من بناء مسارات مهنية ناجحة. وقد أسهم العديد منهم في دعم مسيرة التنمية، وهو دور محل تقدير.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل بعض الممارسات الفردية التي تظهر بين حين وآخر، مثل ترديد عبارات من قبيل: «نحن علمناكم، نحن درّسناكم، نحن طورناكم»، وهي عبارات لا تعكس الواقع بقدر ما تعبر عن تصور غير دقيق. فالحقيقة أن كثيرًا ممن عملوا في المملكة جاءوا إليها بحثًا عن الفرص التي وفرتها، واستفادوا من بيئة مهنية واقتصادية متميزة أسهمت بشكل كبير في تطويرهم وصقل خبراتهم.
وفي المقابل، ورغم ما قُدم من إسهامات مهنية تُقدر، إلا أنها لا ترقى في كثير من الحالات إلى حجم ما وفرته المملكة من فرص وتمكين ودعم، سواء على المستوى المهني أو المعيشي. وعليه، فإن العلاقة يجب أن تُبنى على أساس الاحترام المتبادل، والاعتراف بأن الفضل في إتاحة هذه الفرص يعود ــ بعد توفيق الله ــ إلى ما وفرته المملكة من بيئة ممكنة ومحفزة، مع تقدير أي إسهامات مهنية قُدمت في هذا الإطار على الرغم من قلتها الشديدة.
وفي هذا السياق، لا بد من الاعتراف بأن المواطن السعودي أثبت كفاءة عالية من حيث التأهيل والخبرة والقدرة على الإنجاز، ما يجعله اليوم الخيار الأجدر في العديد من القطاعات مقارنة بغيره من الجنسيات. ولأن المرحلة الحالية تتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الكفاءة الوطنية والخبرة الدولية على أساس التكامل، بحيث تُسهم الخبرات العالمية في نقل المعرفة، بينما تتولى الكفاءات الوطنية قيادة التنفيذ واستدامة الأثر.
في المحصلة، لا يعكس قرار التوطين مجرد تنظيم لسوق العمل، بل يعبّر عن قناعة راسخة بأن المواطن السعودي هو الخيار الأجدر لقيادة المرحلة القادمة، وأن الاستثمار فيه هو الاستثمار الأكثر استدامة. وهذا ما يؤمن به سمو سيدي ولي العهد، عندما أكد أن المواطن السعودي هو أعظم ما تملكه المملكة لتحقيق النجاح والازدهار، بناءً على همته العالية في بناء المجد.
لا يعكس قرار التوطين مجرد تنظيم لسوق العمل، بل يعبّر عن قناعة راسخة بأن المواطن السعودي هو الخيار الأجدر لقيادة المرحلة القادمة.