لكن الحقيقة الطبية واضحة؛ الإنفلونزا عدوى فيروسية، والمضاد الحيوي لا يعمل على الفيروسات. الفيروس يدخل إلى خلايا الجسم ويستخدم آلياتها للتكاثر، أما المضادات الحيوية فمصممة لاستهداف البكتيريا. إعطاء مضاد حيوي في عدوى فيروسية يشبه محاولة إصلاح خلل في برنامج على الهاتف الذكي باستخدام مطرقة؛ أداة الإصلاح لا تناسب المشكلة أساسًا.
ومع ذلك، لا تتوقف خطورة استخدام المضاد في غير موضعه عند حدود «عدم الفائدة»، بل تمتد إلى مشكلة عالمية صامتة: مقاومة المضادات الحيوية. كل مرة يستخدم فيها المضاد بلا داعٍ، تتعلم البكتيريا كيف تنجو. تتحور، وتطور وسائل دفاعية تجعل الدواء أقل تأثيرًا. ببطء، تتحول العدوى التي كان علاجها بسيطًا إلى مشكلة تحتاج أدوية أقوى وأكثر تكلفة وربما في أسوأ الحالات لا يوجد لها دواء فعال.
وما يزيد الأمر تعقيدًا أن العالم لم يشهد اكتشافات واسعة لمضادات حيوية جديدة منذ عقود. لقد وصلت البشرية إلى حدود ما يمكن استخراجه من الطبيعة تقريبًا، وصار تطوير مضاد حيوي جديد عملية معقدة وباهظة تستغرق سنوات طويلة من البحث والتجارب. بينما البكتيريا في المقابل تتغير بسرعة، تتكيف، وتسبقنا بخطوة. إننا في سباق بطيء أمام عدو سريع. وإذا ظل استخدام المضادات قائمًا بهذه العشوائية، فسنجد أنفسنا في عالم يعود فيه الالتهاب الذي يعالج في يومين إلى مرض خطير لا دواء له.
لذلك، حين يصاب الإنسان بالإنفلونزا، يكون العلاج الحقيقي في دعم الجسد ومنحه فرصته على التعافي. الراحة ليست ترفًا، والنوم ليس كسلًا، بل هما جزء من خطة الجسم الدفاعية. السوائل الدافئة تخفف الاحتقان وتمنع الجفاف، والأدوية الخافضة للحرارة تكسر حدة الأعراض وتمنح الجسد مساحة للقتال. ومع الوقت، ينتصر الجهاز المناعي كما يفعل كل عام بمشيئة الله.
أما الوقاية، فهي القصة التي تبدأ قبل المرض. لقاح الإنفلونزا الموسمي، غسل اليدين بانتظام، تقليل الاختلاط عند انتشار العدوى، والتهوية الجيدة للمنازل وأماكن التجمع تمنع تراكم الهواء المحمل بالفيروسات. وفي حال كان أحد أفراد المنزل مريضًا فإن استخدام الأدوات الشخصية بشكل منفصل وتغطية الفم والأنف عند السعال وتجنب القرب الجسدي كل ذلك يساعد في تقليل العدوى داخل العائلة نفسها. هذه التفاصيل اليومية الصغيرة قد لا ترى لكنها تصنع الفرق. والأهم من ذلك هو تغيير نظرتنا للمرض نفسه ليس كل ارتفاع حرارة معناه عدوى خطيرة ولا كل سعال يحتاج دواءً قويًا. الوعي بأن الجسم قادر على التعافي وأننا نستطيع حماية من حولنا بتصرفات بسيطة يجعل التعامل مع المرض أكثر هدوءًا واتزانًا.
حين نفهم أن الشفاء من عدوى الإنفلونزا لا يتعلق بالمضاد الحيوي، ندرك أن الحكمة هي في اختيار العلاج المناسب في الوقت المناسب. المضاد الحيوي سلاح مهم وثمين، لا ينبغي أن نستخدمه في معركة لا تخصه.
فالمرض ليس سباقًا في وصف الأدوية، بل اختبار للوعي: متى نعالج؟ كيف نعالج؟ وبأي وسيلة نمنح الجسد فرصة أن يعود كما كان.