تندرج السينما تحت مظلة الفنون البصرية كفن الرسم والتصوير بشتى أشكاله، غير أن ما يميز السينما عن بقية هذه الفنون شيئان مهمان: حركيتها في الزمن، ومناقشتها لمواضيع تمس شرائح واسعه من الناس تبعا لموضوع الفلم والشريحة المستهدفة من صنعه. وعلى عكس الفنون البصرية الكلاسيكية التي بقيت – ربما إلى الآن- نشاطا فرديا صرفا فإن فن السينما صناعة حرفية بامتياز.
الفيلم ليس أول فيلم سعودي تم إنتاجه وإخراجه بكوادر سعودية على كل المستويات، لكنه يؤسس لانطلاقة واعدة في صناعة سينما سعودية تنبثق من تحت رمال صحراء الجزيرة العربية.
موضوع الفيلم تقليدي يندرج تحت فئة أفلام التحقيق البوليسية في جرائم غامضة، إلا أن السيناريو وحواراته، ومشهده البصري، وأهم من ذلك محتواه الدرامي ومدلولاته الاجتماعية هو ما يجعل منه سابقة مميزة في مجاله. يبدأ الفيلم بمقتل شخصية الفتاة (نوال) مجهولة الهوية والنسب، ومن ثم تبدأ بطلة الفيلم الرئيسة (ميلا الزهراني) في الظهور في بحثها الذي لم يكل ولم يمل في كشف ملابسات القضية. موضوع الفيلم بالرغم من بوليسيته، هو مكانة المرأة في المجتمع السعودي المحافظ وكيفية تعامل المجتمع والمؤسسة مع قضايا المرأة. فبينما كان جهاز الشرطة ممثلا في شخصية الضابط الذي أبدع شفيع الحارثي في تجسيد دوره يريد إغلاق الملف بأسرع وقت تأبى بطلة الفيلم – وهي مطلقة حديثا- أن تقيد الحادثة ضد مجهول. وهنا يطرح الفيلم قضيته: المرأة (الفتاة نظرا لحداثة سن الضحية) كموضوع رئيس ونظرة المرأة ذاتها (بطلة الفيلم وقبل ذلك مخرجته) لقضايا بنات جنسها في أسلوب حوار متماسك يتدرج في بنائه الدرامي وتشويقه منذ بداية الفيلم وصولا إلى ذروته في كشف أسرار الجريمة.
ولأن الصورة مكون أساسي من أي عمل سينمائي فإن المشهد البصري هو الآخر لا يقل روعة. فقد كانت الصحراء بمفهومها المباشر (حيث تركت الضحية تواجه مصيرها المحتوم) وانتهاء بمشهد بالغ الرمزية عندما تقف بطلة الفيلم المبدعة على إحدى كثبان الصحراء ملوحة بعباءة الضحية في سماء الصحراء تنثرها كما الريح، بعد أن وقفت على حقيقة القصة. مشاهد أحداث الفيلم في مركز شرطة شمال الرياض بعمارة عقد الستينات والسبعينات البيضاء وطرقات ما بين البيوت ذات اللون الصحراوي، ومركزية المسجد في الحي، تؤطر لمشهد بيئي حضري في قلب الجزيرة العربية. ولأن مظاهر التطور والتحديث في أي مجتمع عناصر مرافقة لأي سيناريو من لباس، ومسكن، ومشاهد عامة، فقد نهج الفيلم بكل ثقة واقتدار خطاً وازن فيه بين كل هذه المتطلبات لعرض فيلم غني في موضوعه مشوق في بنائه جميل في صورته.
وأخيرا فإن النسخة الإنجليزية لاسم الفيلم تحمل ( INIDENTIFIED) وهي ترسم عنوانا بالغ التأثير في سياقه الإنجليزي، غير أن ما يقابلها في لغة الفيلم الأصلية يبقى أقل تأثيرا. صحيح أن عنوان الفيلم انعكاس مباشر لكل شيء فيه، غير أن وقعه كعنوان لفيلم بهذا المستوى من الإبداع، يبقى أقل تأثيرا. بل على العكس من ذلك فإن فيلم المجهولة سيبقى مميزا في مسيرة صناعة الأفلام السعودية لسنوات وعقود قادمة.