غير أن هذه الرحلة التي قد لا تتجاوز بضعة عقود، تُثقل كاهل الإنسان بتضحيات لا تنتهي، في ظل صراعات متواصلة، يسعى الفرد إلى تحقيق أحلامه عبر أبنائه أو إنجازاته المادية والعلمية، طامعًا في لحظات من الفخر والمباهاة أمام الآخرين، ومستندًا إلى أمل متجدد في البقاء والخلود، ولو عبر الذكرى.
لكن مع اتساع نطاق الأسرة، وظهور تأثير الأقارب والأصدقاء في دائرة الحياة، يبدأ التنافس المادي والمعنوي يأخذ مكانه، وفي عصر التقنية والانفتاح الرقمي، تحوّل هذا التنافس إلى صراع علني، تغذّيه مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت تروّج -عن قصد أو دون قصد- لصورة مثالية مزيفة عن الرفاهية، فتدفع الكثيرين للانسياق خلفها دون وعي.
وهنا، تبدأ ملامح التفكك الأسري بالظهور، إذ يُستبدل الدفء الأسري الطبيعي بنزعات فردية، تغذيها الرغبة المحمومة في الكسب المادي، وتتحول وسائل الإعلام ومنصات التثقيف الاقتصادي إلى أدوات لتبرير هذا التحوّل، حتى يصبح الإنسان مجرّد أداة في منظومة مادية جافة، منزوعًا من نوازعه الفطرية والدينية والأخلاقية.
وتبلغ المأساة ذروتها حين نجد من يضحي بأقرب الناس إليه في سبيل مكاسب عابرة، بالمادية -بصورتها المعاصرة- لا تطلب فقط جهدك ووقتك، بل تطلب أحيانًا قلبك وروحك، وفي بعض الحالات المؤلمة، نشهد أبناء يتخلون عن آبائهم، وأخوة يتنكرون لبعضهم، وكأن روابط الدم والرحم لم تعد تعني شيئًا في ميزان المصالح.
لقد تأثرت مجتمعاتنا العربية بهذه الثقافة الوافدة التي تُعلي من شأن المال على حساب المبادئ، وتُقيس قيمة الإنسان بما يملك لا بما هو عليه، وهذا خطر كبير على القيم التي أرساها ديننا وثقافتنا، والتي تجعل من الأسرة نواة المجتمع، لا شركة تبحث عن الربح.
فهل نسينا أن الله خلقنا من نفس واحدة، وجعل بيننا مودة ورحمة، لا بندًا في عقود تجارية؟، وهل باتت الفطرة التي فطر الله الناس عليها أمرًا هامشيًا يُستبدل بقيم السوق والمظاهر؟.
ختامًا.. إننا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي؛ إما أن نعيد للأسرة مكانتها الإنسانية والدينية، أو نواصل الانحدار نحو تحوّلها إلى مشروع ربحي بحت، لا يهمه سوى حسابات الأرباح والخسائر.. فلنعد إلى الفطرة، ولنُحيِ في قلوبنا الرحمة، قبل أن نصحو على مجتمع فقد كل ما كان يميّزه من إنسانية.. اللهم رحمتك بنا.