ففي بلدنا الحبيب، تأخذ اللغة بعدًا يتجاوز كونها لغتنا الرسمية؛ فهي لغة التشريع، والتعليم، والهوية الوطنية، ولغة القرآن الكريم الذي انطلقت منه رسالة هذه البلاد إلى العالم. ولهذا ظل الحفاظ على العربية جزءًا أصيلًا من مشروع الدولة الثقافي، ومن وعي المجتمع ذاته. فاللغة هنا ليست شعارًا، بل ممارسة يومية وانتماءً راسخًا، يتجلى في الخطاب العام، وفي النقاشات المجتمعية، وفي الحساسية العالية تجاه كل ما يمس الهوية.
وقد ظهر هذا الوعي بوضوح في الجدل الذي دار على منصة إكس «تويتر سابقًا» عقب إطلاق مسمى إنجليزي على موقع تاريخي في قلب الرياض، حين استُخدم تعبير «street food» مقترنًا باسم سوق الزل، وهو اسم ارتبط بسوق تراثي عريق يمثل جزءًا من ذاكرة الرياض. لم يكن التفاعل مجرد اعتراض عابر، بل كان نقاشًا واسعًا شارك فيه الكثير من أكاديميين وإعلاميين ومثقفين ومواطنين عاديين، عبّروا عن استنكارهم للمسمى الأجنبي في سياق مكاني يحمل قيمة تاريخية ورمزية. كثير من التغريدات لم ترفض التطوير أو الفعاليات الحديثة، بل أكدت أن التطوير لا يتعارض مع الاعتزاز باللغة، وأن بوسعنا ابتكار تسميات عربية جذابة، حديثة، وقادرة على المنافسة دون التفريط بالهوية.
هذا الحراك الرقمي يعكس نضجًا مجتمعيًا لافتًا؛ فالمواطن السعودي اليوم أكثر وعيًا بدلالات اللغة في الفضاء العام، وأكثر إدراكًا لأثر الأسماء والمصطلحات في تشكيل الصورة الذهنية للمدن والأماكن. تسمية موقع تاريخي ليست قرارًا تسويقيًا فحسب، بل هي رسالة ثقافية تُقرأ داخليًا وخارجيًا. والسائح الذي يقصد الرياض أو أي مكان بهذا البلد العظيم يقصده بحثًا عن أصالة المكان، لا يبحث عن نسخة مكررة من مدن أخرى، بل عن خصوصية وتميز، واللغة جزء أصيل من هذه الخصوصية والتميز.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مشروع حول مدى ملاءمة الاعتماد المفرط على جهات استشارية غير سعودية في قضايا تمس الهوية الثقافية واللغوية. لا شك أن الانفتاح على الخبرات العالمية أمر مهم في مسيرة التطوير، لكن الإشكال يظهر حين تُنقل نماذج جاهزة دون استيعاب عميق للسياق المحلي. فاللغة ليست منتجًا يمكن تعميمه، بل كائن حي مرتبط بالذاكرة الجمعية وبالرمزية الاجتماعية. والاستشاري الذي لا يعيش تفاصيل المجتمع ولا يتشرب دلالات مفرداته قد يقدم حلولًا تسويقية براقة، لكنها تفتقر إلى الحس الثقافي العميق، فتبدو منقطعة عن روح المكان.
التطوير الحقيقي لا يعني استبدال المحلي بالأجنبي، بل يعني تمكين المحلي ليواكب العالمية بثقته وأصالته. حين تُهمَّش الخبرات الوطنية في موضوعات الهوية واللغة، نخسر فرصة بناء معرفة محلية متراكمة، ونضعف قدرتنا على إنتاج نموذج ثقافي خاص بنا. أما حين تكون الاستفادة من الخارج قائمة على شراكة متوازنة، يقودها وعي وطني راسخ، فإن النتائج تكون أكثر انسجامًا مع المجتمع وأكثر استدامة على المدى الطويل.
ما حدث في «X» لم يكن رفضًا للتحديث، بل دفاعًا عن معنى أعمق: أن العربية ليست عائقًا أمام الانفتاح، بل هي جسر أصيل نحو العالم. وأن الاعتزاز بها لا يتناقض مع الطموح العالمي، بل يعززه. فالأمم التي تحترم لغتها وتستثمر فيها، هي الأقدر على تقديم نفسها بثقة، والأكثر قدرة على حماية هويتها في زمن تتسارع فيه التحولات. وفي هذا الوعي الشعبي تكمن قوة المجتمع السعودي اليوم؛ مجتمع يواكب التطور، لكنه لا يساوم على جذوره، ويرى في لغته عنوان كرامته الثقافية ومرآة حضارته الممتدة.