تلك المقدّمةُ نؤمنُ بها جميعًا ونعملُ لأجلها على جميعِ المستوياتِ، لكنّ قريحةَ أحدِ مشاريعِ المستقبلِ الفكريةِ من طلابي بالكليةِ اتّقدت بنتاجٍ فكريٍّ بمنظورٍ مختلفٍ؛ فخطَّ قلمُ كاتبِ المستقبلِ خالد المقرن هذا الإبداعَ موضوعَ مقالِ اليوم: (إنَّ أخطرَ ما يواجهُ استقرارَ المجتمعاتِ ليس انتشارَ المخدراتِ بحدِّ ذاته كفعلٍ إجراميٍّ، بل إعادةُ صياغتِها داخلَ العقلِ الجمعيِّ لتصبحَ ممارسةً اعتياديةً أو «رمزيةً ثقافيةً» لدى فئاتٍ معيّنةٍ؛ فالرمزُ، بخلافِ السلوكِ العابرِ، يتمتّعُ بخاصيّةِ «الكمونِ»، بحيثُ يمكنُ استدعاؤه في لحظاتِ التحوّلِ الاجتماعيِّ أو الأزماتِ الاقتصاديةِ أو موجاتِ التمرّدِ.
إنَّ المخدراتِ مسألةُ أمنٍ وطنيٍّ شاملٍ تمسُّ الهويةَ والقيمَ؛ لكنَّ العمقَ الاستراتيجيَّ لا يقفُ عند كيفيةِ تقليلِ أرقامِ التعاطي اليومَ، بل في كيفيةِ منعِ تشكّلِ «معنًى ثقافيٍّ» لتلك الآفةِ قد يستمرُّ أثرُه لعقودٍ، حتى لا يتحوّلَ السمُّ إلى رمزٍ.
ولتحليلِ هذه الظاهرةِ سوسيولوجيًّا، نجدُ أنَّ التهديدَ الحقيقيَّ لها يبدأُ عندما تنجحُ المادةُ المخدِّرةُ في اختراقِ ما يسمّيه هيربرت بلومر «التفاعليةَ الرمزيةَ»، حيثُ يتوقّفُ الفردُ عن رؤيةِ المخدِّرِ أنّه «مادةٌ كيميائيةٌ قاتلةٌ» ليبدأَ في إعطائِها معنًى رمزيًّا مرتبطًا بالانتماءِ أو التميّزِ أو «المزاجِ الاجتماعيِّ». هذا التحوّلُ الرمزيُّ يمهّدُ الطريقَ لما وصفه بيير بورديو بـ«الرأسمالِ الثقافيِّ»؛ فالمخدِّرُ عندما يتغلغلُ في طقوسِ السمرِ والفنونِ وخلافِها، يصبحُ جزءًا من الهويةِ الاجتماعيةِ للجماعةِ، ويتحوّلُ عدمُ التعاطي إلى «اغترابٍ» عنها، ممّا يفرضُ نوعًا من القسرِ الثقافيِّ على الأجيالِ الجديدةِ لتبنّي هذا السلوكِ لضمانِ القبولِ الشعبيِّ.
هذا الاندماجُ الثقافيُّ يفسّره أيضًا إدوين سذرلاند في «الارتباطِ التفاضليِّ»، حيثُ يرى أنَّ السلوكَ الانحرافيَّ لا يُورَّثُ بيولوجيًّا، بل يُكتسبُ بالتعلّمِ والمحاكاةِ داخلَ الجماعاتِ الأوّليةِ؛ فإذا أصبحتِ المخدراتُ جزءًا من القصصِ اليوميةِ أو الأمثالِ الدارجةِ، فإنّنا ننتقلُ من «جريمةٍ يُعاقبُ عليها القانونُ» إلى «إرثٍ مشوَّهٍ» يتوارثُه الأبناءُ كجزءٍ من واقعِهم الثقافيِّ، وهو ما يفسّرُ صعوبةَ اجتثاثِ هذه الآفاتِ في المجتمعاتِ التي «وطَّنت» السمومَ وجعلتْها جزءًا من فلكلورِها.
ولنا عددٌ من الشواهدِ التاريخيةِ على تحوّلِ «المخدِّرِ كبصمةٍ هويّاتيةٍ»: حربُ الأفيونِ في «الصينِ»، عندما تحوّلَ المخدِّرُ من سمٍّ عابرٍ إلى «بروتوكولٍ اجتماعيٍّ» في القرنِ التاسعَ عشرَ، ممّا شلَّ إرادةَ المجتمعِ وأدّى لسقوطِ السيادةِ القوميةِ وقرنٍ كاملٍ من الإذلالِ؛ لأنَّ المواجهةَ أصبحتْ ضدَّ «عاداتٍ يوميةٍ مجتمعيةٍ» لا مجرّدَ محاربةِ مخدراتٍ وسمومٍ. ثمَّ ما حدثَ بأزمةِ الكراكِ في «الولاياتِ المتحدةِ» في الثمانينياتِ، إذ تحوّلَ الكراكُ من مادةٍ إدمانيةٍ إلى رمزٍ «لثقافةِ الشارعِ» والتمرّدِ في المناطقِ المهمَّشةِ، حيثُ ارتبطَ بالموسيقى والسينما لدرجةٍ جعلتِ الأجيالَ اللاحقةَ تستحضره بـ«نوستالجيا» كرمزٍ للصمودِ الاجتماعيِّ. وليس عنّا ببعيدٍ نبتةُ القاتِ والهويةُ اليمنيةُ، عندما تحوّلتْ من نبتةٍ إلى «عمادٍ للهويةِ الوطنيةِ» ومحرّكٍ لطقوسِ الاجتماعِ السياسيِّ والأسريِّ، فتكمنُ المفارقةُ في أنَّ المجتمعَ بات يرى محاربتَه اعتداءً على خصوصيتِه الثقافيةِ، ممّا شلَّ حركةَ التنميةِ. وكذلك ثقافةُ «الناركو» في «المكسيكِ»، حيثُ تحوّلتِ المخدراتُ إلى «منظومةٍ قيميةٍ» تمجّدُ الخارجَ عن القانونِ كبطلٍ شعبيٍّ عبر الفنونِ والأغاني (Narcocultura)، ممّا جعل جيلَ الشبابِ يرى في عالمِ الجريمةِ رمزًا للصعودِ والمجدِ. وتحولُ أفيونِ «أفغانستانَ»، الذي تجاوزَ كونَه محصولًا نقديًّا ليصبحَ رمزًا للمقاومةِ والسيادةِ الاقتصاديةِ ضدَّ الخارجِ، ممّا حوّله إلى «ثابتٍ قوميٍّ» يرتدُّ إليه المجتمعُ في كلِّ تحوّلٍ سياسيٍّ كأداةٍ للتمرّدِ والاستقلالِ الماليِّ.
إنَّ مكمنَ الخطرِ الحقيقيِّ هو «الكمونُ الهويّاتيُّ»، فإذا لم تُحطَّمْ رمزيةُ المخدراتِ اليومَ فإنّنا نزرعُ ألغامًا زمنيةً مُهلِكةً. تاريخيًّا، وعندما تمرُّ الشعوبُ بلحظاتِ تحوّلٍ أو بحثٍ عن تميّزٍ قوميٍّ، فإنّها تميلُ عفويًّا للاستنجادِ بـ«أنماطِ الحياةِ القديمةِ». وإذا سُمحَ للمخدِّرِ أن يلتصقَ بذاكرةِ أيِّ جيلٍ كفعلِ تمرّدٍ أو خصوصيةٍ، فقد يعودُ جيلٌ لاحقٌ لاستخدامِه كأداةٍ لإثباتِ الذاتِ أو الاحتجاجِ الثقافيِّ، تحتَ ذريعةِ أنّه كان يومًا ما جزءًا من «واقعِ الأجدادِ»، وهنا تتحوّلُ المواجهةُ من الدولةِ «ضدَّ المجرمينَ» إلى «ضدَّ التقاليدِ الشعبيةِ»، وهي المعركةُ الأمنيةُ الأكثرُ تعقيدًا بلا شكٍّ.
إنَّ ضرورةَ المسارعةِ والحزمِ في المواجهةِ اليومَ ليستْ لمنعِ الضررِ الصحيِّ فحسبُ، بل هي عمليةُ «وقايةٍ ثقافيةٍ» استباقيةٍ؛ فالحسمُ السريعُ يقطعُ الطريقَ قبلَ نشوءِ «لغةٍ فرعيةٍ» أو «أدبياتٍ شعبيةٍ» تمنحُ المادةَ صبغةً اجتماعيةً، بينما يرسّخُ الحزمُ وصمةَ «العارِ الوجوديِّ» و«الخيانةِ الوطنيةِ» المرتبطةِ بالمادةِ، لضمانِ عدمِ تحوّلِها إلى «أيقونةٍ» يتباكى عليها الأحفادُ في المستقبلِ. والمهمُّ وعينا التامُّ بأنَّ حمايةَ الأمنِ السعوديِّ تتطلّبُ إدراكًا عميقًا بأنَّ المخدراتِ ليستْ «تجارةً عابرةً»، بل هي محاولةٌ لاختراقِ «الشفرةِ الثقافيةِ» للمجتمعِ، وأنَّ الضربَ بيدٍ من حديدٍ اليومَ هو استثمارٌ سياديٌّ في «نظافةِ الذاكرةِ الوطنيةِ كجزءٍ من الأمنِ الفكريِّ»، لضمانِ ألّا يجدَ أحفادُنا في سمومِ اليومِ أيَّ معنىً للانتماءِ أو التراثِ في مستقبلِ الأيامِ. حفظَ اللّٰهُ وطنَنا الغالي، وأبعدَ عنه كلَّ شرٍّ، وأدامَ اللّٰهُ لولاةِ أمرِه المخلصينَ العمرَ والصحّةَ والعافيةَ، وجزاهم عنّا كلَّ خيرٍ).
هذه العباراتُ الفاخرةُ صاغها قلمٌ عاشقٌ محبٌّ لوطنِه بعقلٍ وضميرٍ في آنٍ، ليقرعَ أجراسَ الخطرِ في منبتِه قبلَ أن يتحقّقَ ضررُه؛ فمفهومُ «الكمونِ الهويّاتيِّ» انزياحٌ للقيمِ بشكلٍ تدريجيٍّ حتى زوالِها وغيابِها، وهو خطرٌ قاتلٌ صامتٌ لا تكشفُه الجهودُ التقليديةُ في الضبطِ الأمنيِّ أو علاجِ المتعاطينَ. ولمحةٌ رابطةٌ بأمثلةٍ لمجتمعاتٍ أخفقتْ في سبرِ كنهِ جوهرِ المعضلةِ عندما أغفلتْ جانبَ معالجةِ معركةِ الوعيِ قبلَ المعركةِ الأمنيةِ؛ وعليه فإنَّ «بقاءَ نظافةِ الذاكرةِ الوطنيةِ» كجزءٍ من هويةِ المجتمعِ ليستْ أقوالًا مرسلةً أو شعاراتٍ عاطفيةً، بل هي برامجُ وقايةٍ ومصيريةٌ طويلةُ الأمدِ تمتدُّ عبرَ الأجيالِ.
حفظَ اللهُ على هذه البلادِ أمنَها وعقيدتَها وشبابَها، وجعلَنا جميعًا جنودًا للخيرِ، أوفياءَ للوطنِ، أعزّةً بدينِنا وهويتِنا.