وبطبيعة الحال فإن الفن في كل من هذه المؤسسات الوارد ذكرها أعلاه، أو تحت أي مظلة كانت هو من التعدد في الأشكال مما يجعله عصيا على الإحاطة به، على الأقل في مقال صحفي. الفن فضاء واسع يتخذ تحت كل مؤسسة، وكل إدارة، بل وتحت كل فرد، فنانا كان أم إداريا، شكلا مختلفا، ومن هنا تتعدد أشمال الفن ومخرجاته. هناك الفنون الجميلة، وهناك الفنون البصرية، وهناك الفنون التطبيقية، وهناك الفنون السمعية، والبصرية، والمسرحية، والسينمائية، وهناك الفنون الوظيفية البحتة. وتحت كلٍ من هذه الفنون مدارس وتوجهات شتى. وإذا ما أضيف البعد التاريخي لكلٍ من هذه الفنون يتضح عمق الفن بمفهومه العام، وتجذره في تاريخ الشعوب والمجتمعات، وحاجة الناس إليه في حياتهم الاجتماعية.
مرت الحياة الفنية في المملكة بمختلف أشكالها بتجارب مختلفة وظهرت أسماء كتبت تاريخ الفن، ومع ذلك فقد بقي الفن لدينا بمختلف صوره وأشكاله نشاطا بحاجة إلى أن ينضوي تحت مظلة جامعة له. الفن كمجال حضاري ولمواكبة المرحلة الراهنة بحاجة إلى أن يتخذ شكلا مؤسسيا ليرتقي بكافة أشكال الفن إلى آفاق جديدة لم تعهدها الحركة الفنية مسبقا. في الماضي القريب كان الفن يختصر تربويا في المراحل الدراسية المبكرة في «حصة التربية الفنية»، والتي غالبا ما كانت تتذيل جدول الحصص الأسبوعية في آخر حصص أحد الأيام. وإذا كان ذلك مبررا نظرا لما كانت تفرضه المرحة التنموية التي مرت بها الحواضر والمدن السعودية، من تركيز على مواد ومناهج ليس الفن من أولوياتها، فإن ما نشهده اليوم قد تغير تماما. لقد أصبح الفن في صلب الحياة العامة بكل مستوياتها، لدرجة أن مفهوم الفن قد اختلط بمفهوم الثقافة، وأصبح الاثنان شيئا واحدا، في دلالة بالغة على تجذر الفن في الحياة الاجتماعية المعاصرة.
ضمن هذه الفضاءات الواسعة للفن التي نشهدها اليوم تتعدد مرجعياته لدينا، حكومية كانت أم غير ذلك، وقد بلغت من الكثرة ما قد يكون مصدرا للتشتت وبعثرة الجهود، بدلا من توحيدها تحت مظلة واحدة. أليس من الأجدى استقلال هذه الفنون تحت مظلة واحدة جامعة له؟. درج العرف لدينا إلى انضواء الفن تحت عباءة الثقافة، وبالرغم من أن الفن نشاط ثقافي بالضرورة، إلا أن دمجه بالثقافة يفقده تخصصه وتفرده، فالثقافة مصطلح أشمل بكثير من الفن، وهو ما قد يتسبب في ضبابية الرؤيا بين الثقافة والفن.
الحديث عن الفن حديث ذو شجون. إنه حديث عن أرقى ما يقدمه المجتمع المتحضر لنفسه ولغيره من المجتمعات. الفن هو مرآة الشعوب وهو مقياس رقيها وتقدمها، ولذلك بنيت له المتاحف، وأقيمت له المعارض، ونظمت الفعاليات بمختلف أشكالها. الفن ليس نشاطا ثانويا كما قد يشاع لدى البعض. الفن تربية وأسلوب حياة وثقافة. الفن وقود الحياة.