تعرض المسيحيون لأقسى ظروف اجتماعية في ظل الإمبراطورية الرومانية، هدمت كنائسهم وأحرقت كتبهم المقدسة وأجبروا على التضحية للأوثان، ولعل قصة النائمين السبعة تختصر معاناة المسيحية في ظل القوى العالمية المهيمنة بذاك العصر. ولعل حملة الإمبراطور «دقيانوس» من أشد الحملات قسوة ضدهم بهدف القضاء على المسيحية كديانة مستقلة عن الآلهة الرسمية للدولة البيزنطية وإجبار المؤمنين على التضحية للأوثان.
ويمكن ربط قصة النائمين السبعة المعبرة بقصة أخرى لا تقل قسوة تعرض لها أتباع المسيح وهي قصة «أصحاب الأخدود» المذكورة في سورة البروج، وجرت أحداثها في منطقة نجران التي كانت تحتضن تنوعا دينيا وتضم مجتمعا مسيحيا قويا. وكلتا القصتين كانتا متداولتين في البيئة الدينية التي ظهر فيها الإسلام لاحقا، ومن خلالهما نستطيع تحديد ما يمكن وصفه بالتحرير والفتح وما يضاده من أحداث سياسية لا تخرج عن وصف الاحتلال والغزو الغاشم.
في قصة الأخدود، وبحسب ما يورده المفسرون لسورة البروج، حفرت خنادق (أخاديد) عظيمة وأضرمت فيها النيران وقذف فيها المؤمنون أحياء، وهذه المشاهد المروعة تشير إليها بوضوح الآية الكريمة: (قتل أصحاب الأخدود … النار ذات الوقود) وفيها تصوير لمعاناة جماعة دينية رفضت ترك المسيحية وخيروا ما بين ترك دينهم أو القتل. ولا تخرج قصص اضطهاد المسيحية عن الصراع بين القوى العظمى في ذاك العصر، الإمبراطورية البيزنطية والامبراطورية الفارسية، فمن خلال البعد السياسي الديني المتداخل كانت المسيحية أداة أو ضحية لصراعات بين قوتين تتنازعان السيطرة والنفوذ (فارس والروم). وقصتا أهل الكهف وأصحاب الأخدود تفسران بوضوح الأوضاع المأساوية التي مرت بها المسيحية في ظل هذا النزاع.
ومن المهم أن نقدم الطرف الآخر الذي ساهم في توسيع نطاق المعاناة والذي ثبت في وعي المسيحيين أنهم ضحية للسياسة الدولية في عصرهم، وهو الطرف الفارسي، القوة العظمى التي شكلت مع الطرف البيزنطي حروبا باردة طويلة المدى قد تخرج عن السيطرة أحيانا وتنتج مآسي إنسانية وأحداثا قاسية. وسوف نكتفي بذكر أحد أهم الشخصيات السياسية البارزة وهو القائد الفارسي شهرباراز، وفي كتاب «تاريخ الحروب الصليبية» يصف المؤرخ البريطاني ستيفن رنسيمان دخول شهرباراز فلسطين بعد أن أسقط إنطاكية ودمشق بقوله: «وفي ربيع سنة 614 دخل فلسطين القائد الفارسي شهرباراز، فصار ينهب الأراضي ويحرق الكنائس أينما سار» وهذا العنوان العريض لدخول الفرس لمنطقة ذات إرث ديني عتيق يبين أن المسيحيين في بقاع مختلفة ومتباعدة أصبحوا ضحايا حرب بين قوتين كبريين. وفي تفصيل أوسع يقول رنسيمان في نفس المرجع: «واستعد البطريرك زكريا لتسليم المدينة، ليتجنب سفك الدماء، غير أن السكان المسيحيين رفضوا الاستكانة إلى التسليم. وفي 5 مايو سنة 614 وبفضل مساعدة اليهود المقيمين داخل المدينة، شق الفرس طريقهم داخل المدينة فتلى ذلك من المناظر المريعة ما يحل عن الوصف. إذ صحب اشتعال النار بالكنائس والدور من حول المسيحيين، أن تعرضوا للقتل دون تمييز».
وفي ظل النزاع بين الطرفين المتنافسين دخل على الخط طرف ثالث قلب المعادلة السياسية رأسا على عقب وبدل موازين القوى في مدة وجيزة وهم الفاتحون المسلمون الذين سقطت على أيديهم أكبر قوتين (فارس والروم)، ويمثل هذا بداية ظهور نظام عالمي جديد يحمي الأقليات الدينية ضمن نظام يعرف بـ (أهل الذمة) يسمح للمسيحيين بممارسة شعائرهم وسط كنائسهم وأديرتهم دون التدخل في معتقداتهم، مقابل الالتزام بدفع الجزية ومراعاة أشكال معينة من السلوك في الأماكن العامة. هذا الوضع الاجتماعي والسياسي ضمن قانون (أهل الذمة) أعطاهم حماية رسمية، ولم يعودوا ضحايا حرب بين القوى الكبرى، ولم تعد هناك حملات إبادة منظمة بسبب الانتماء الديني، فأصبحوا آمنين من حيث الحياة العامة وممارسة الدين، بمعنى أن الفتح الإسلامي أوجد استقرارا دينيا واجتماعيا للمسيحيين بعد قرون من المعاناة والاضطهاد في ظل إمبراطوريات كبرى متصارعة.