التعليم لا يبدأ من الأنظمة ولا من الماديات، بل يبدأ من هذا الطالب الذي يحمل في داخله بذرة مستقبل وطن، وتتشكل معه ملامح الغد عامًا بعد عام، وكل ما يحيط به من معلمين ومعلمات، وإدارة، ومناهج، وبيئة مدرسية، ودعم أسري، وأنظمة تقنية، وبرامج تربوية ومساندة وغيرها، ليس إلا منظومة متكاملة غايتها النهائية حماية هذا المركز الإستراتيجي وتنميته وتمكينه.
إن تعليم الطالب ليس مهمة يومية تُؤدّى، بل هو مشروع حياة وطن، يمتد أثره إلى الأسرة التي يسهم في رفع وعيها، ويعزّز قيمها، ويكون مصدر أمان لها، وكل مهارة يكتسبها، وكل قيمة يتشرّبها، وكل وعي فكري أو سلوكي يتشكل بداخله، يتحول إلى قوة اجتماعية تسهم في استقرار الأسرة، ثم في بناء مجتمع حيوي قادر على التفكير والإبداع والعطاء وصناعة مستقبل وطن طموح، فلولا وجود الطالب، لما احتاجت الدولة إلى آلاف المدارس، ولا إلى هذا العدد الكبير من المعلمين والمعلمات، ولا إلى ميزانيات مليارية تُضخ سنويًا، فالمنظومة التعليمية بكل اتساعها لم تُنشأ إلا من أجل أبنائنا الطلاب، ليكونوا مواطنين أكفاء، قادرين على حمل مسؤولية وطنهم، والمشاركة في نهضته، والدفاع عنه.
ولأن الطالب أو الطالبة هو مركز الثقل الإستراتيجي لهذه المنظومة، أصبح من الضروري وجود آليات تقنية دقيقة ومتطورة، ومنظومة ذكاء اصطناعي تتابع نموه، وترصد تقدمه، وتكشف احتياجاته، وتدعم نقاط قوته، وتعالج ما قد يواجهه من صعوبات، فالمتابعة الحديثة لا تقوم على الملاحظة التقليدية، بل على نظام تقني متطور يتيح للطالب أن يكون شريكًا في تقييم تجربته التعليمية، وأن يعبّر عن رأيه في بيئته، وأن يبلغ عن أي خلل قد يؤثر على تعلمه أو سلامته، وحين يصبح الطالب جزءًا من عملية التقييم والتطوير، تتحول المدرسة إلى بيئة تتطور باستمرار وتستجيب لاحتياجاته الحقيقية.
ولعل من المناسب صياغة وتصميم نموذج سيرة ذاتية موحّد لكل مرحلة تعليمية: نموذج للمرحلة الابتدائية، وآخر للمرحلة المتوسطة، وثالث للمرحلة الثانوية، ورابع لمرحلة البكالوريوس الجامعية، تكون هذه النماذج سجلات نشطة ترافق الطالب منذ بداياته الدراسية وحتى تخرّجه، وتعكس رحلته التعليمية بكل تفاصيلها: إنجازاته، مهاراته، مشاركاته، تطوعه، صحته، هواياته، مواهبه، تقدمه الأكاديمي، وملامح شخصيته، إنها ليست ملفات جامدة، بل مرايا صادقة تُظهر شخصية الطالب وتطوّره، ليطّلع عليها هو وأسرته ومدرسته، وقد تُعتمد لاحقًا بالنسبة لخريجي الجامعات ضمن متطلبات التقديم على الوظائف، ومن المهم تنبيه جميع الطلاب إلى هذه النماذج، وتوعيتهم بأهميتها، ليبنوا سيرتهم التعليمية والمهنية بوعي منذ سنواتهم الدراسية الأولى.
ولأن التعلم يحتاج إلى وضوح، فمن الأهمية أن تُحدَّد أهداف سنوية دقيقة لكل عام دراسي، تُجمع في كتاب خاص يكون مرجعًا للطالب وولي أمره، كتاب يوضح ما يجب إتقانه من أساسيات في كل عام دراسي، وما المهارات الأساسية المطلوبة، وما المعايير التي ينبغي تحقيقها قبل الانتقال إلى العام التالي، وحين يعرف الطالب هدفه، ويعرف ولي أمره دوره، يصبح التعلم رحلة هادفة، واعية ومحكومة، ويمكن قياس جميع مؤشرات نجاحها بدقة.
إن الاهتمام بالطالب لا يقتصر على تعليمه، بل يشمل تنميته فكريًا وجسديًا وروحيًا ونفسيًا، ليكون إنسانًا متوازنًا، صاحب رسالة، قادرًا على مواجهة تحديات الحياة بثقة ووعي. وهذه رسالة موجّهة إلى كل مسؤول في بيئة التعليم: إنّ الطلاب يمثّلون مركز ثقل إستراتيجي للوزارة، وهم أمانة وطنية تستحق الرعاية الشاملة التي تحفظ عقولهم، وتبني أجسادهم، وتغذّي أرواحهم، وتدعم صحتهم النفسية.
الطالب الذي يُتابَع نموه، ويُستمع لصوته، ويُحتضن تطوره، ويُزوّد بملف سيرة ذاتية، ويُرشد بأهداف واضحة، ويُمنح حق المشاركة في تقييم بيئته، يصبح أكثر ثقة، وأكثر وعيًا ومسؤولية، وأكثر قدرة على حماية نفسه وأسرته من المخاطر الفكرية والسلوكية، ويصبح مواطنًا فاعلاً ومنتجًا في نفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه.. ولأن الوطن لا ينهض إلا بتكاتف أبنائه، فإننا نتوجه بالشكر والتقدير لجميع مسؤولي ومنسوبي وزارة التعليم على جهودهم الكبيرة في تطوير جميع مكوّنات المنظومة التعليمية. وهذا المقال هو مشاركة أخوية صادقة، ورغبة في الإسهام في حمل الرسالة ذاتها، فكلنا شركاء في هذا الطريق، وكل ما نقوله ونقترحه إنما هو لأجل أبنائنا الطلاب والطالبات.
وفي هذا السياق، نرفع أسمى آيات الشكر والعرفان إلى رائد التعليم الأول خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي جعل الإنسان محور التنمية، وإلى سمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، عرّاب الرؤية الشاملة التي أعادت صياغة مستقبل الوطن بكل عناصره، وفي مقدمتها العنصر البشري. فبرؤيتهما أصبحت المدرسة مصنعاً للمستقبل، والطالب مشروعاً وطنياً حيوياً يستحق كل الدعم والرعاية والتمكين.
فالطالب، بعون الله تعالى، هو الأساس الذي تُبنى عليه استدامة قوة الأوطان وأمنها وبناؤها وتنميتها.