هذا هو ما يقال عن السلفية التي تُرمى اليوم عن قوس واحدة من جهات كثيرة، سواء أكانت علمانية أي لا تؤمن بسلطة الدين على الفرد، أو ليبرالية وهي عندنا التي تؤمن بصحة التفسير المتجدد للنصوص الشرعية دون النظر إلى قواعد التفسير المعروفة في اللغة العربية منذ القدم، وما يصاحبها من قواعد شرعية.
وكذلك أصحاب الأديان المخالفة للإسلام، والذين يشتغل كثير منهم اليوم بنقد السلفية، ويقولون: إنها تيار غير عقلاني، أي غير عقلي، وكلمة العقلاني من الأخطاء الشائعة في اللغة وتصويبها كما ذكرتُ: العقلي. وكذلك التيارات والمذاهب الإسلامية من صوفية ومعتزلية وأشعرية وماتريدية، كلها تقدم هذا الزعم بين يدي نقدها للسلفية.
على عكس أوائل الليبراليين في العالم العربي وإن لم يكونوا يتلقبون بهذا اللقب كأحمد لطفي السيد وطه حسين وعبدالعزيز الأهواني وأمثالهم كانوا يثنون على السلفية وعلى موافقتها للعقل، لأنها ضد الخرافات التي كانت سببًا في اتخاذ هؤلاء المنهج المتفتح بزعمهم؛ على عكس الليبراليين في واقعنا المعاش، إذ المعاصرون إنما دفعهم لهذا المنهج تلك القيود التي يرونها في التفسير الإسلامي فيُجَنِحُ به الهوى كل مُجَنَّح.
وكذلك أوائل الكتاب الإسلاميين على اختلاف توجهاتهم كـ محمد عبده وعباس العقاد وأحمد أمين وأمثالهم كانوا كذلك يرون عقلانية السلفية وليس ذلك إلا لما رأوه من محاربتها للخرافة والضلال، وهم أيضا كانت الضلالات التي انهمك العالم الإسلامي بها سببًا في مناهجهم المختلفة.
المتصوفة وإن كانوا يمايزون فيما بينهم بين مغالٍ في التصوف ومتوسط فيه وبين مريدٍ صاحب طريقة ومحبٍ لهم وإن كان لا يتبع أيًا من طرقهم، إلا أنهم في نهاية الأمر يُزكون غلاتهم وإن أخذوا عليهم بعض المآخذ، وغَلَّطوهم في بعض أفعالهم إلا أن تزكية هؤلاء الغلاة هي الشائعة بينهم؛ ألا ترى أن الحلاج وابن الفارض وابن عربي والبدوي وهم من أشد الغلاة فيهم ومع ذلك لا يتجاسر أي منهم على ذكر ما عندهم من كفريات عظيمة، فصلها برهان الدين البقاعي [ت 885هـ] في كتابه: تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي؛ وكونُه ذكر كثيرًا من العلماء قالوا بتكفيره، فإن ذلك ليس أصلًا في التصوف، وإنما كانت تلك يقظة دينية جاءت بعد تأثر العلماء بابن تيمية، أو خوفهم من سطوة العوام الذين تأثروا كثيرًا بدعوة شيخ الإسلام، على أن كثيرًا ممن حكموا بتكفير ابن عربي في ذلك الزمن لم يكونوا من المتصوفة بل كان كثيرٌ منهم سلفيين وآخرون أشعريين لم يجمعوا بين أشعريتهم والتصوف.
ثم اجتمع المتصوفة على التصريح بالدفاع عن ابن عربي كما فعل السيوطي [ت 911هـ] بتبرئتهً له في كتابه: تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي، وحكم في هذا الكتاب بولايته وليس براءته وحسب، وحتى اليوم والمتصوفة يبرؤونه ويبرؤون جميع غلاة الصوفية.
ومعلوم أن هذا الغلو لا يتوافق مع العقل بحال، فضلا عن كونه لا يتوافق مع الدين.
فأنا لا أستطيع بأي تأويل أن أسوغ اتحاد المخلوقات بالخالق، وأن كل مخلوق خالق يتوافق، كلمة معقولة، وكذلك دعاء غير الله من المقبورين على أنه دعاء لله وأن الله جعل الخلق الميتين وسائط بينه وبينهم، مع دعواته سبحانه المتكررة في كتابه الكريم إلى إخلاص الدعاء له وحده، كما قال تعالى ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ [الأعراف: 55] وقوله ﴿قُلِ ادعُوا الَّذينَ زَعَمتُم مِن دونِهِ فَلا يَملِكونَ كَشفَ الضُّرِّ عَنكُم وَلا تَحويلًا﴾ [الإسراء: 56].
وإن من الانحطاط بالعقل محاولة تأويل الأفعال الشركية سعيًا لجعل تلك الأعمال موافقة للآيات، إذ تكلف ذلك منقصة للمتكلم والمتلقي.
ولو تتبعنا جميع ما يخالف فيه المتصوفة صحيح الدين لوجدناه منافيًا للعقل ويغنينا قليل ذلك عن كثيره.
أما الأشعرية والماتريدية فمع قولنا إنه لا تلازم بين أن يكون المرء منتسبًا لإحدى الطائفتين ومنتسبًا أيضا للصوفية فإننا نشاهد اليوم أن كل أشعري أو ماتريدي صوفي، فهما في الواقع متلازمان، وأنا هنا سأتحدث عنهما بعيدًا عن التصوف، وهما أشد ادِّعاء لموافقة العقل، كما أن أتباعهما يفرون حين المناقشة بالاختلاط بالصوفية، إلى القول بغلوها، وبعدها عن العقل في حين أنهم صوفيون أشاعرة أو ماتريدية في حقيقة الأمر، لكن كأنهم استخدموا مبدأ التقية في هذه الحالة كما يستخدمه غيرهم.
ومما يبعد بهم عن العقل رأيهم في صفات الله تعالى، فهم يقسمون الصفات الإلهية إلى أقسام عدة ومنها صفات نفسية وصفات سلبية وصفات فعلية وصفات معاني وصفات وجودية وصفات عدمية، وهم يختلفون في هذه الصفات ما هي وما معانيها، ومنهم من يزيد الأقسام ومنهم من ينقصها، والثابت لله تعالى عندهم سبع صفات ومنهم من قال ثلاثة عشر ومنهم من قال عشرين هذا حالهم مع صفات الله عز وجل.
مع أنهم منزعجون من تقسيم السلفيين للتوحيد إلى توحيد أُلُوهية وتوحيد ربوبية وتوحيد أسماء وصفات، ولا شك أن توحيد الله من أعمال العباد، وهي معلومة لهم غير مجهولة، ويمكن لذلك تصنيفها وتنويعها، أما صفات الباري عز وجل فلا نعلم عنها إلا ما علمنا الله، ولهذا فالقول في تصنيفها وتنويعها وتقسيمها ليس في مستطاع العقل، وليس للعقل سوى التسليم بما ذكر في كتابه وسنة رسوله منها؛ لكنهم أنكروا التسليم لله، وأخذوا في تأويل ما لا يريدونه له، وحتى ما أثبتوه أثبتوه وهم يتأولونه تأويلات عديدة ليس منها إلا ما يجعل الإنسان يشتجر مع عقله، في حين أن أَتْبَاع السلف يخرجون من ذلك كله إلى إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ما نفاه الله عن نفسه بالطريقة التي نفاها سبحانه، وكل ذلك من غير تحريف ولا تعطيل.
هذا وننتهي إلى أن السلفية لا تخرج عن المعقول، ولكن قد يُتصور المعقول بغير التصور الصحيح، وعند التأمل والإدراك نجد أن السلفية لا تنتهي إلا حيث ينتهي العقل إذا انطلق على أساس صحيح.