فزيارة سمو ولي العهد السعودي إلى واشنطن، والاتفاقات الكبرى التي أُعلن عنها؛ من بيع طائرات F-35، إلى رفع مكانة المملكة إلى حليف رئيس خارج الناتو، لم تكن مجرد إعلان تعاون ثنائي، بل خطوة إستراتيجية تعكس مساراً جديداً للأمن الإقليمي.
هذا المسار لم يأتِ من فراغ؛ بل يتقاطع بشكل لافت مع ما طرحته مجلة Foreign Affairs في تقريرها الصادر بعنوان «A New Path to Middle East Security»، والذي يدعو الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة دورها في الخليج عبر شراكة أعمق وأوسع مع السعودية بوصفها محور الاستقرار الإقليمي، فما الذي تغيّر؟ ولماذا الآن؟ وكيف يمكن أن تنعكس هذه الترتيبات الجديدة على مستقبل المنطقة؟
يرى تقرير Foreign Affairs أن السعودية أصبحت الدولة القادرة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً على لعب دور القلب في منظومة الأمن الخليجي؛ إذ لم تعد المملكة دولة تعتمد فقط على شراء السلاح؛ بل أصبحت شريكاً إستراتيجياً يمتلك رؤية اقتصادية عالمية (رؤية 2030)، وتمارس دوراً محورياً في أسواق الطاقة، وترتبط مع العالم بشبكة تحالفات عربية ودولية، وتمتلك قدرات تقنية وعسكرية وبشرية متنامية، إضافة إلى ما تمثله من مكانة دينية وسياسية لا يمكن تجاوزها ولا ينازعها عليها أحد.
مشهد جديد
ومن هنا، وانطلاقاً مما حققته المملكة خلال العقد الأخير من تطور لافت ومميز على الصعد كافة، أدرك صانعو القرار في الولايات المتحدة أن الظروف مواتية لبناء مسار جديد، وأن أي نظام أمني جديد في الشرق الأوسط لا يمكن أن يُبنى من دون السعودية، وأن عليهم التحرك وفق مقاربة مختلفة بعيداً عن الأساليب السابقة، التي كانت تعتمد فكرة الهيمنة المطلقة الأمريكية واستبدالها بشراكة إستراتيجية تعتمد بشكل أساسي على استثمار المكانة السعودية، التي وصلت إليها في أن تكون جزءاً فاعلاً من هندسة الأمن الإقليمي، ولا سيما أن تقرير Foreign Affairs تضمن تحذيراً ضمنياً أن الفشل والتقاعس في ذلك قد يفتح الباب لتقليص الدور الأمريكي وزيادة النفوذ الروسي أو الصيني في الخليج.
هذا المشهد الجديد لا يمكن قراءته وفهمه بمعزل عن الأحداث الأخيرة، التي شهدتها المنطقة بعد عملية «طوفان الأقصى»، والحرب الإسرائيلية على غزة، والتي تركت آثارها على المشهد بكامله بأفول نجم السيطرة الإيرانية على سوريا ولبنان، وإضعاف حزب الله، وإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وتضرر برنامجها الصاروخي والنووي بشدة؛ وانكفاء المشروع الإيراني وتراجعه في تغير واضح لموازين القوى في الوقت نفسه الذي شهد صعوداً للدور السعودي كأهم الفاعلين الذين يمتلكون القدرة على صناعة النظام الإقليمي المقبل، وليس التكيف معه فحسب.
وفي المقابل، تعيش إسرائيل، التي انتصرت عسكرياً، وخسرت أخلاقياً، أزمةً داخليةً وخارجيةً غير مسبوقة، وتواجه عزلةً سياسيةً عالميةً متزايدةً بعد الحرب على غزة، وتستشعر تغيراً جدياً في التعامل الأمريكي معها سواء برفض بعض تصرفاتها وإجبارها على وقف الحرب، أو الاعتذار من قطر، وعدم الإصغاء لمطالباتها بعدم بيع طائراتF35 للمملكة، وستشهد الأيام القادمة مزيداً من الضغوط عليها للتراجع عن عنجهيتها وإجبارها على الانخراط في الترتيبات الإقليمية الجديدة، أما تركيا، التي كانت تتطلع إلى دور قيادي في الإقليم؛ فقد باتت منشغلة بتوازناتها الداخلية، وآثرت انتهاج الواقعية السياسية ببناء علاقات عملية مع دول الخليج.
قوة صاعدة
وفي قلب هذا المشهد المتحرك، نجحت المملكة العربية السعودية، خلال السنوات الأخيرة، بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في إعادة تعريف دورها في المنطقة؛ لتبرز كقوة صاعدة ذات رؤية اقتصادية وسياسية متكاملة، وتتمتع بشرعية عربية واسعة، وزعامة إسلامية، ولديها أدوات التأثير في ملفات الطاقة العالمية، وفي الوقت ذاته، تبني موقعاً جديداً في الصناعات التكنولوجية المتقدمة؛ وهذا ما يجعلها اليوم الدولة الأكثر قدرة على قيادة مشروع إقليمي جديد أكثر توازناً واستقراراً، والانتقال من موقع الدولة المحافظة على التوازنات إلى موقع الدولة التي تصوغ التوازنات ذاتها، وتؤثر في مسار التحالفات، وتعيد ترتيب شكل الأمن الإقليمي ومستقبل الاقتصاد السياسي العربي، وتفتح فضاءً واسعاً للتعاون الإقليمي وللتكامل الاقتصادي؛ فالرؤية السعودية الجديدة تضع التكنولوجيا والطاقة المستدامة والابتكار في قلب السياسة، وتجعل من الشرق الأوسط منطقة يمكن أن تكون جزءاً من الاقتصاد العالمي المتقدم، لا مجرد ساحة لصراعات الآخرين.
ولعلّ ما يمنح هذا المشروع ثقله الحقيقي هو أن المملكة لا تتحرك بوصفها دولة تبحث عن المكاسب الآنية؛ بل بوصفها قوة تحمل رؤية طويلة الأمد، وتبني علاقاتها على قاعدة من المصالح المتبادلة مع واشنطن وبقية الدول الكبرى؛ وهو ما يجعل الشراكة السعودية–الأمريكية اليوم مختلفة عن أي وقت مضى؛ إنها شراكة تنتقل فيها المملكة إلى مصاف الدول التي تشارك في بناء النظام العالمي الجديد، لا تلك التي تتأثر به فقط.
الساحة السورية والدور السعودي
وفي قلب التحولات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، تبرز الساحة السورية كأحد أهم المحاور التي أعادت السعودية النظر فيها ضمن رؤية شاملة لإعادة ترتيب المشرق العربي على أسس جديدة من الاستقرار والاعتدال والتوازن؛ فبعد نحو 14 عاماً من الحرب التي مزّقت البلاد، وأضعفت مؤسسات الدولة، أدركت الرياض أن استمرار سوريا كدولة منهارة يعني بقاء الشرق الأوسط بأكمله في حالة اهتزاز دائم؛ لهذا جاءت المبادرة السعودية لإعادة فتح قنوات التواصل مع دمشق، ولإطلاق مسار دبلوماسي هدفه الأول إعادة سوريا إلى بيئتها العربية الطبيعية التي انقطعت عنها بفعل سنوات العزلة والاحتراب.
من هذا المنطلق، لم يكن الدور السعودي مجرد محاولة لملء فراغ سياسي؛ بل خطوة محسوبة ترى أن سوريا المستقرة والعائدة إلى محيطها العربي قادرة على إعادة التوازن إلى المنطقة، وكان لافتاً أن يترافق ذلك مع إصرار ولي العهد السعودي على رفع العقوبات أو إعادة هيكلتها بطريقة تخفف الضغط عن الشعب السوري، وتمنح الدولة فرصة لاستعادة دورها.
وبهذا الدعم السعودي اللامحدود، سياسياً واقتصادياً، تصبح سوريا، لا بوصفها نظاماً أو سلطة؛ بل دولة عربية ذات موقع جغرافي محوري، جزءاً من العمق الإستراتيجي السعودي؛ فالاستقرار في دمشق يعيد رسم خط توازن يمتد من الخليج حتى ساحل المتوسط. وبقدر ما يشكل ذلك ضربة لطموحات القوى الإقليمية المنافسة؛ فإنه يمثل أيضاً خطوة ضرورية كي يتمكن النظام الإقليمي الجديد، الذي تعمل السعودية على هندسته، من الصمود والاستمرار.
القضية الفلسطينية
ولا يمكن فهم الدور السعودي الآخذ في الاتساع دون التوقف عند موقفها من القضية الفلسطينية، التي لا تزال محوراً ثابتاً في السياسة الخارجية للمملكة. فعلى الرغم من الضغوط الدولية المتزايدة لإعادة إحياء مسار التطبيع، إلا أن الرياض ظلت على عهدها واضحة في موقفها؛ فلا حديث عن اتفاقيات إقليمية جديدة، ولا عن انضمام إلى أي إطار على غرار الاتفاقات الإبراهيمية، ما لم تُعالج جذور الصراع بشكل جاد، وفي مقدمتها إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وقد عبّر ولي العهد مراراً عن هذا الموقف ليس بوصفه شرطاً تفاوضياً؛ بل لكونه جزءاً من رؤية شاملة للأمن الإقليمي؛ إذ ترى المملكة أن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق في ظل غياب حل عادل للفلسطينيين.
وقد برزت هذه الرؤية بوضوح خلال الحرب على غزة، حين أدارت الرياض مواقفها بحكمة تجمع بين الواقعية السياسية والتمسّك بالمبادئ. فمن جهة، تعاملت المملكة مع الإدارة الأمريكية بوصفها شريكاً في صياغة النظام الإقليمي الجديد، ومن جهة أخرى حافظت على موقعها التاريخي بوصفها الداعم الأكبر للقضية الفلسطينية، رافضة أي مقاربة تتجاوز الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني أو تُقصر الحل على ترتيبات أمنية مؤقتة. وبذلك أصبحت السعودية الطرف العربي الأقدر على التحدث باسم الإقليم أمام القوى الكبرى، ليس فقط لأنها تمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً كبيراً؛ بل لأنها الطرف الأكثر اتساقاً بين المبادئ والمصالح، والأكثر قدرةً على ربط مستقبل الشرق الأوسط باستقرار فلسطين لا على حسابها.
إن هذا الإصرار السعودي على حل الدولتين، والتمسّك بأن التطبيع يجب أن يكون تتويجاً لاتفاق سياسي شامل لا بديلاً عنه، يمنح المملكة موقعاً خاصاً في إعادة تشكيل الإقليم؛ فالسعودية لا تنظر إلى العلاقات العربية–الإسرائيلية من زاوية الثنائية الضيقة؛ بل من زاوية أكبر تتعلق بإعادة بناء شرق أوسط قادر على العيش من دون صراعات دائمة، وعلى تحقيق توازن بين الأمن والتنمية، وعلى إيجاد صيغة واقعية تضمن للفلسطينيين مستقبلهم وتمنح لإسرائيل إطاراً للبقاء داخل منظومة إقليمية أكثر استقراراً.
وبهذا يكتمل دور السعودية كقوة ذات رؤية، لا تنساق وراء ضغوط اللحظة، ولا تتخلى عن عناصر الثبات في سياستها؛ بل تستخدم موقعها الجديد لتثبيت مبادئ طالما غابت عن طاولات المفاوضات، ولتذكير العالم أن أي نظام إقليمي جديد لن يُكتب له النجاح ما لم يكن عادلاً وشاملاً، وما لم يعالج القضية التي بقيت لعقود أساس الصراع في المنطقة.
الزيارة التاريخية… والتحولات الفارقة
وبالعودة إلى زيارة سمو ولي العهد السعودي إلى واشنطن؛ أجمعت كل الأوساط السياسية والإعلامية ومراكز الأبحاث على أنها تشكّل، بحد ذاتها، لحظة محورية في مسار العلاقة بين البلدين، ليس فقط بسبب القضايا التي طُرحت أو الاتفاقات التي وُقّعت؛ بل لأنها أعادت صياغة طبيعة الشراكة الإستراتيجية بين الرياض وواشنطن برؤية جديدة تعكس التحولات الكبيرة في موقع المملكة ودورها العالمي؛ فقد بدت الزيارة، منذ لحظتها الأولى مختلفة من حيث مستوى الاستقبال وطبيعة الوفد المرافق والأجندة الثقيلة المحمّلة بملفات التكنولوجيا والطاقة والاقتصاد والدفاع، وكأنها إعلان عن انتقال العلاقات من مرحلة التفاهمات التقليدية إلى مرحلة الشراكة المتقدمة بين دولتين تتقاطع مصالحهما في إعادة تشكيل النظام الدولي.
وقد حملت الزيارة معها حزمة من الاتفاقات، التي تُعدّ الأكبر في تاريخ العلاقات السعودية–الأمريكية؛ بدءاً من التفاهمات الدفاعية التي فتحت الباب أمام تزويد المملكة بأنظمة تسليح متقدمة؛ مروراً بالاتفاقات التكنولوجية التي وضعت السعودية في صلب الثورة الرقمية العالمية؛ وصولاً إلى التوقيع على برامج لبناء مفاعلات نووية سلمية، ومشروعات كبرى في الأمن السيبراني والحوسبة السحابية وصناعة الرقائق الإلكترونية.
فرصة إستراتيجية
لقد كانت المملكة، خلال الزيارة، دولة تفاوض من موقع القوة والثقة، وتعرض رؤية واضحة لمكانتها في الاقتصاد العالمي، لا دولة تطلب دعماً أو تسعى إلى حماية تقليدية.
وكان لافتاً أن الجانب الأمريكي نفسه تعامل مع الزيارة بوصفها «فرصة إستراتيجية» تُسهم في تعزيز الاقتصاد الأمريكي في لحظة عالمية دقيقة؛ إذ باتت الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة جزءاً أساسياً من منظومة الاستقرار الاقتصادي الأمريكي؛ فقد ضخت السعودية خلال السنوات الأخيرة عشرات المليارات في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والبنى التحتية الأمريكية، وأصبحت المستثمر الأكبر عربياً في السوق الأمريكي؛ الأمر الذي جعل شراكتها الاقتصادية جزءاً من معادلة الأمن القومي الأمريكي، لا مجرد علاقة تجارية عابرة؛ ومهما قيل عن أهمية التعاون العسكري؛ فإن تأثير السعودية في الاقتصاد الأمريكي اليوم لا يقل أهميةً عن تأثيرها في سوق الطاقة العالمية.
كما أن الاتفاقات الموقّعة في مجال تصميم وإنتاج وتوطين صناعة الرقائق الإلكترونية تُعدّ نقلة نوعية بكل المقاييس؛ فهذه الصناعة تحديداً هي «نفط القرن الحادي والعشرين»؛ وهي التي تتحكم في مسارات الذكاء الاصطناعي والصناعات العسكرية المتقدمة والسيارات الكهربائية والاتصالات الحديثة، وبدخول السعودية شريكاً فيها، ليس كمستهلك؛ بل كمنتج، تكون الرياض قد دخلت عملياً في قلب السباق التكنولوجي العالمي، ووضعت نفسها في موقع الدولة التي تمتلك نفوذاً جديداً يذهب أبعد من النفط والطاقة التقليدية.
إن ما يحدث اليوم من تحولات يجعل السعودية أقرب من أي وقت مضى إلى أن تكون الدولة، التي تُرسم حولها خرائط السياسة في الشرق الأوسط؛ إنها لحظة إعادة بناء النظام الإقليمي؛ لحظة تتقاطع فيها المصالح الدولية مع طموحات وطنية كبرى، وتعيد فيها الرياض تشكيل العلاقة بين القوة والاستقرار والتنمية. وفي هذه اللحظة، تبدو السعودية، بقيادتها الشابة ورؤيتها الطموحة، في موقع الدولة القادرة على صياغة المستقبل، لا على انتظاره.