كان تدخل التحالف العربي- الذي جاء تلبية لطلب رسمي من الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني- على قدر الحاجة، وبالمستوى الذي أعاد الأمور إلى نصابها الصحيح، دون تصعيد للأمور أو تأجيج للخلافات. وهذه محمدة تُحسب للقيادة السعودية الحكيمة، التي كان بإمكانها تحقيق العديد من الأهداف وتوجيه مزيد من الضربات وإرغام القوات المخالفة على الانسحاب من كافة المواقع التي سيطرت عليها، لكن هذا لم يكن يومًا من الأيام نهج المملكة أو أسلوبها في إدارة الأزمات.
فالرياض تتبنى دائمًا الحلول السياسية، وتجنح للسلم والتهدئة، وقد أكدت منذ اندلاع الأزمة عدالة قضية الجنوب، وأن الحل السياسي الذي يتم التوصل إليه في غرف المفاوضات هو السبيل الوحيد لمعالجة الإشكالات وإيجاد حلول مستدامة تحفظ اليمن أرضًا وإنسانًا.
والناظر إلى تاريخ التعامل السعودي مع قضايا اليمن يلمس ذلك بوضوح؛ فهي التي بادرت بتوحيد الجهود التي تُوِّجت بالمبادرة الخليجية في 3 أبريل 2011، كما أسهمت خلال عهد الرئيس السابق علي عبدالله صالح في جمع اليمنيين على طاولة الحوار في مؤتمر الحوار الوطني (2013-2014)، وكان لها دور محوري في تقريب وجهات النظر وتجاوز العقبات وجمع اليمنيين على كلمة سواء.
وعندما ظهر التباين بين الحكومة الشرعية بقيادة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي والمجلس الانتقالي في عدن عقب انقلاب الحوثيين على الشرعية، كان الموقف السعودي متزنًا وحكيمًا، فلم تقف مع طرف ضد آخر، بل أدارت حوارًا مطولًا انتهى باتفاق سياسي توافقي قائم على المرجعيات الوطنية والمبادئ المتفق عليها.
وقد بلغ هذا المسار ذروته مؤخرًا مع صدور القرار الرئاسي عن مجلس القيادة الرئاسي اليمني القاضي بإسقاط عضوية عيدروس الزبيدي، على خلفية خروجه الصريح عن الإجماع الوطني، وانقلابه على التوافق السياسي الذي تشكّل بموجب المرجعيات المعتمدة، وعلى رأسها اتفاق الرياض ومبدأ الشراكة داخل مجلس القيادة. وهو قرار لم يأتِ من فراغ، بل جاء تتويجًا لسلسلة من الممارسات الأحادية التي قوّضت وحدة القرار الوطني، وهددت السلم الأهلي، ووضعت المصالح الضيقة فوق المصلحة العليا لليمن وشعبه.
وبرغم ما شهدته الساحة من تصعيد بلغ حد إسقاط العضوية بقرار رئاسي، فإن مسار الحوار الوطني لم يتوقف، بل تمضي الجهود – برعاية المملكة العربية السعودية – نحو استكمال عقد جميع المكوّنات اليمنية دون استثناء في المؤتمر المزمع عقده في الرياض، إيمانًا بأن معالجة جذور الأزمة لا تتم بالإقصاء، وإنما عبر جمع الفرقاء على طاولة واحدة، ومنح الجميع فرصة التعبير ضمن إطار الدولة والمرجعيات الوطنية، وبما يضمن استعادة التوازن السياسي، وقطع الطريق أمام الفوضى، وترسيخ منطق الحكمة اليمنية التي لطالما انتصرت للحوار على السلاح.
ولم تتردد الرياض في الموافقة على طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي استضافة هذا المؤتمر، بل شرعت فورًا في التجهيز له ليكون جامعًا وشاملًا، يستند إلى المرجعيات الدولية والتفاهمات السابقة، ويشكل منصة موحدة يتفق عليها الجميع، إدراكًا منها أن السلام لا يُفرض بالقوة، وإنما يُصنع بالتوافق.
وأقول منذ الآن وبمنتهى الثقة إن المؤتمر المرتقب سيكون علامة فارقة في تاريخ قضية الجنوب، وهو تفاؤل يستند إلى توفر عناصر النجاح كافة قبل انعقاده، وفي مقدمتها الترحيب الواسع من مختلف المكوّنات اليمنية، والدعم الإقليمي الواضح لعقده، والثقة المتراكمة في النهج السعودي القائم على التيسير لا الإملاء، وعلى الجمع لا الإقصاء.
فالمملكة لا تمارس وصاية، ولا تفرض اشتراطات، ولا تتقدم بمواقف مسبقة، بل تحصر دورها في تسهيل التفاوض ومساعدة الأطراف على الوصول إلى تفاهمات، بخاصة عند انسداد آفاق الحوار. وهو نهج متجذر في قناعتها بأن علاقتها باليمن علاقة مصير مشترك، قوامها الدين واللغة والدم وروابط الجوار والتاريخ.
ولخصوصية حضرموت مكانة خاصة في هذا السياق، فالمملكة تشاطرها حدودًا تمتد لنحو 700 كيلومتر، مما يجعل أمنها جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني السعودي، وهو ما يفسر حرص الرياض على منع أي انزلاق يهدد استقرار هذه المنطقة الحساسة.
ومن هنا، فإن على جميع أطراف القضية اليمنية إدراك أن الزمن ليس في صالحهم، وأن استمرار الأزمة وتصعيدها لا يقود إلا إلى مزيد من التعقيد وارتفاع كلفة الإصلاح والإعمار، وأن الرهانات الخاسرة والتحالفات الضارة لن تجلب لليمن سوى مزيد من الاستنزاف، بينما لا يحصد ثمارها إلا تجار الحروب.
استدعوا – يا أبناء اليمن – الحكمة التي عُرفتم بها عبر التاريخ، وتمسكوا بدولتكم، وتجاوزوا الخلافات الجانبية التي فتحت الأبواب أمام عدوكم المشترك، واستعيدوا زمام المبادرة للحاق بقطار التنمية والازدهار، فالتاريخ لا يرحم، والأجيال القادمة لن تغفر التفريط.