وقد أدركت هذا المعنى في موقف شخصي بسيط، لكنه كاشف؛ فقبل سفري بساعات احتجت إلى خدمة مصرفية عاجلة، وكنت أظن أن الأمر متعذر، فإذا بي أفتح الحساب، وأصدر بطاقة البنك وبطاقة الصرف الدولية، ثم أستلمهما من آلة خارج البنك خلال وقت وجيز. وفي المقابل، عايشت خارج المملكة تجربة أكثر تعقيدًا في فتح حساب بنكي، حتى انتهى بي الأمر إلى بنك رقمي. عندها فهمت أن الفارق بين الدول لا يقاس بما يقال عنها، بل بما تصنعه في حياة الناس حين يضيق الوقت وتُختبر الأنظمة.
وهذه ليست قصة عن بنك فحسب، بل قصة عن بلد تغيّر، وعن دولة لم تعد ترى التقنية زينة إدارية، بل منهج عمل، وعن وطن لم يكتفِ بنقل الخدمة من الشباك إلى الشاشة، بل أعاد ترتيب العلاقة بين الإنسان والإجراء، وبين الوقت والحاجة، وبين الدولة والمستفيد؛ ولهذا لم تعد السرعة عندنا حادثة تستوقف، بل أصبحت جزءًا من المشهد اليومي. وذلك الفارق الصغير الذي شعرتُ به أمام ماكينة البنك لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل كان صورة مصغرة لتحول أكبر؛ التحول نفسه الذي تنقله السعودية اليوم من مستوى الخدمة اليومية إلى مستوى الشراكات الكبرى والبنية العميقة للذكاء الاصطناعي.
ومن هنا يبدو قرار مجلس الوزراء بالموافقة على تسمية عام 2026 بـ«عام الذكاء الاصطناعي» منسجمًا تمامًا مع مسار قائم، لا عبارة جميلة أُلصقت بعام جديد؛ إذ نقلت وكالة الأنباء السعودية أن هذه التسمية تعكس رؤية المملكة في تعزيز مكانتها عالميًا في التقنيات المتقدمة، وترسيخ دورها في توظيف الذكاء الاصطناعي علميًا وإنسانيًا وتنمويًا. والمعنى الأهم هنا أن الدولة لم تبدأ من الاسم، بل وصلت إليه بعد أن راكمت تجربة واسعة في الرقمنة، ونضجت فيها الخدمات، ورسخت فيها الثقة بأن التقنية يمكن أن تصبح جزءًا من أسلوب الدولة نفسه.
وليس ذلك مجرد انطباع شخصي، بل واقع تؤيده الأرقام؛ فبحسب هيئة الحكومة الرقمية، قفزت السعودية 25 مرتبة في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية لعام 2024، وحققت المركز الرابع عالميًا في مؤشر الخدمات الرقمية، والأول إقليميًا، والثاني بين دول مجموعة العشرين، كما جاءت الرياض ثالثة بين 193 مدينة حول العالم. وهذه ليست أرقامًا للتفاخر، بل شهادة على أن ما نعيشه في المنصات والخدمات اليومية ليس حالة فردية، بل انعكاس لبنية حكومية رقمية متقدمة.
ولمن أراد مثالًا مباشرًا من واقع الناس، فتكفيه منصة «أبشر»؛ فالموقع الرسمي يعرّفها بوصفها المنصة الإلكترونية لخدمات وزارة الداخلية وقطاعاتها للمواطنين والمقيمين والزوار، وتمتد خدماتها إلى الجوازات، والأحوال المدنية، والمرور، والمواعيد، وغيرها. وحين يبلغ هذا الاتساع منصة واحدة، فإنها لا تعبّر عن نجاح تقني فحسب، بل عن تحوّل في فكرة الخدمة نفسها؛ من معاملة تُراجع، إلى خدمة تُنجز. كما حافظت السعودية، وفق هيئة الحكومة الرقمية، على المركز الأول إقليميًا للمرة الثالثة في مؤشر الخدمات الحكومية الإلكترونية لعام 2024. وهذا يعني أننا لا نملك تطبيقات كثيرة فقط، بل نملك تجربة رقمية ناضجة أخذت مكانها بين النماذج المتقدمة.
لكن الحجة الأوضح أن المستقبل لم يعد بابًا تطرقه السعودية، بل أفقًا انفتح لها؛ لأنها لم تقف عند حدود تحسين الخدمة، بل دخلت إلى البنية العميقة للذكاء الاصطناعي، حيث مراكز البيانات، والحوسبة، والنماذج، والشراكات التي تصنع الموقع ولا تكتفي بالاستخدام. فصندوق الاستثمارات العامة يصف «هيوماين» بأنها أُطلقت في مايو 2025 لبناء «المكدس الكامل» للذكاء الاصطناعي، من مراكز البيانات والبنية السحابية إلى النماذج والتطبيقات، مع شراكات تضم «إنفيديا»، و«مايكروسوفت»، و«إيه إم دي»، و«كوالكوم»، و«أمازون ويب سيرفيسز»، و«غوغل كلاود»، و«غروك». وهذه لم تعد لغة تطبيقات يومية فقط، بل لغة دولة دخلت إلى طبقات الذكاء الاصطناعي الأعلى قيمة وتأثيرًا.
وهذا ما يفسر أيضًا لماذا جاءت المملكة الأولى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية عن «أكسفورد إنسايتس»؛ فقيمة هذا التقدم أنه لا يقيس كثرة الحديث، بل يقيس جاهزية الدولة نفسها، من الحوكمة إلى البيئة الداعمة إلى القدرة على التبني المؤسسي.
ويزداد المعنى وضوحًا حين ننظر إلى الشراكات والاستثمارات الدولية؛ ففي مايو 2025 أعلن البيت الأبيض، ضمن حزمة استثمارات واتفاقات واسعة مع السعودية، أن شركة «داتا فولت» تمضي في استثمار بقيمة 20 مليار دولار في مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي وبنية طاقة مرتبطة بها في الولايات المتحدة، مع التزام شركات تقنية كبرى، منها «غوغل» و«أوراكل» و«سيلزفورس» و«إيه إم دي» و«أوبر»، باستثمارات قدرها 80 مليار دولار في تقنيات متقدمة في البلدين. وفي الشهر نفسه أعلنت «أمازون ويب سيرفيسز» و«هيوماين» استثمارًا يتجاوز 5 مليارات دولار لبناء «منطقة ذكاء اصطناعي» في المملكة تضم بنية مخصصة، وخوادم بأشباه موصلات متقدمة، وشبكات عالية الأداء، وبرامج واسعة لتنمية المهارات. وهذه ليست تفاصيل هامشية، بل إشارات صريحة إلى أن السعودية لا تريد أن تكون مستخدمًا ذكيًا للتقنية فقط، بل طرفًا في بنيتها، واستثماراتها، وسلسلة قيمتها.
وإذا كانت المنافسة العالمية في الذكاء الاصطناعي شديدة، فإن ما يبعث على الفخر أن السعودية لا تقف على أطراف هذا المشهد، بل تمضي فيه من بابه الصحيح؛ بدأت بالخدمة، ورسخت الثقة، ووسعت المنصات، ورفعت جاهزية الدولة، ثم انتقلت إلى التموضع الأوسع في الذكاء الاصطناعي، من مراكز البيانات إلى الشراكات العالمية، ومن التطبيقات إلى الرقائق والحوسبة والبنية. ولهذا فإن تسمية عام 2026 بـ«عام الذكاء الاصطناعي» ليست احتفالًا بمصطلح، بل وصفًا لمسار؛ فالسعودية لم تبدأ من الشعار، بل وصلت إليه بعد أن جعلت التقنية جزءًا من الحياة اليومية، وجزءًا من عمل الدولة، وجزءًا من رؤيتها لمكانها في الغد.
والخلاصة أن تسمية عام 2026 بـ«عام الذكاء الاصطناعي» ليست احتفالًا بمصطلح، بل إعلانًا عن موقع. فالسعودية لا تواكب هذا التحول من بعيد، بل تدخل إليه وهي تعرف ما تريد، وتبني فيه مكانها بثقة. وحين يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من أسلوب الدولة، لا مجرد أداة في يدها، فذلك يعني أن المستقبل هنا لم يعد وعدًا يُنتظر، بل واقعًا يُصنع.