إن قصة ذلك التكوين السعودي تؤكد أن ذلك القدر السعيد، الذي يسّر الله به حالة من التصحيح المستمر اجتماعيا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا للقريب والبعيد، هو ما أحدث حالة التحول الكبير في منطقة عانت كثيرا التشظي والتراجع، حتى قيض الله لها من أخذها بعقله وقلبه نحو مرافئ العزة والأمان، فكان الإصلاح على الجانبين؛ الداخلي الذي أثمر قوة ونموا وتماما، والخارجي الذي أسهم في إنقاذ الكثير من المجتمعات والشعوب التي جنحت بها تصاريف الحياة وتبدلاتها، والشواهد كثيرة مكانا وزمانا، وفي جميع الاتجاهات.
إن المتأمل للحالة السعودية في الماضي والحاضر يتيقن أنها في حالة تموضع دائم في مساحة الحلول والدعم والمساندة، ولم تكن جزءا من المشكلات لأي أحد. وعلى الرغم من كم العراقيل والتحديات والحرائق التي تحاصرها بفعل فاعلين من كل الاتجاهات، فإنها لم تدّخر جهداً أبداً لدعم فرص تقدم الناس كلما كان ذلك ممكنا، إيمانا برسالتها وثقة بربها، خاصة وهي موئل الإسلام، وحامية مقدساته، ووارثة المروءة العربية بلا منازع.
إنّ الناظر بعين الإنصاف في الزمن الحاضر يدرك تماما أن العالم عندما يرتبك، وتتأرجح بوصلته، يُعيد ضبط إعداداته باتجاه السعودية، لتكون هي الحل الأجمل للكثير من مشكلاته ونزقه وانحرافاته، التي لطالما صادرت لحظات الطمأنينة الإنسانية، وهددت الاستقرار العالمي على هذا الكوكب المنكوب منذ زمن بعيد، ومرد ذلك إلى تلك الهوية التاريخية التي تتمثلها وتحملها دائما؛ عربية الجذور، إسلامية المنهج والتراث، قائمة على الإنصاف والعدل واحترام حق الحياة الكريمة للجميع.
إن قرونا ثلاثة مضت والسعودية تومئ نحو رسوخ شامل، ونمو مطرد، جيلا بعد جيل، وسيدا بعد سيد، حتى أضحت بفضل الله كالطود الشامخ يفيء إليه كل طالب غوث، أو إصلاح، فضلا من الله المنعم المتفضل، والتزاما من قيادتها المؤمنة برسالتها الإسلامية والإنسانية والحضارية، التي شكلت هويتها وضميرها منذ نشأتها الأولى.
إن السعودية تدرك أن العالم في كل شأنه لا يفتقر لوسائل التقدم العلمي والمادي التي شكّلت مسيرته في جميع الأزمنة، ولكنها، وببصيرة نافذة، تدرك افتقاره الشديد للإنصاف والعدل والأخلاق الحقيقية، لهذا تبنت وبكل ثقة في قيمها أن تكون النموذج الذي يستطيع تقديم العدالة المناسبة لكل الشعوب، والاحترام المنطلق من التكافؤ، الذي تكون ثمرته الاستقرار والأمن للجميع.
إن يوم التأسيس يأتي كحالة ميلاد متجدد، يذكرنا نحن الذين نقف على سقف ثلاثة قرون بأن المخاض كان صعبا وعسيرا، ولكن البشرى كانت عظيمة بحجم أحلام الإنسان في حياة كريمة، لنكون نحن الأحفاد على قدر تلك الأحلام التي أصبحت بحمد الله، ثم بهمة الرجال من أبناء هذا الوطن، حقيقة راسخة تؤتي أُكلها بإذن ربها، وتؤكد المعنى الرباني العظيم «بلدة طيبة ورب غفور»،