وكان في ذلك تسلسل زمني عبر التاريخ إذ مر المسجد الحرام بمحطات مفصلية شكلت هويته الحالية. وبدأت أولى خطوات التوسعة المنظمة في عهد الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه وأرضاه، في العام السابع عشر للهجرة النبوية حين اشترى البيوت المحيطة وبنى جدارًا قصيرًا، ثم في عهد عثمان بن عفان، رضي الله عنه وأرضاه، في العام السادس والعشرين من الهجرة النبوية، والذي أضاف الأروقة المسقوفة لأول مرة. وشهد العام الواحد والتسعون للهجرة النبوية توسعة الوليد بن عبدالملك التي استخدمت فيها الأعمدة الرخامية، وصولًا إلى التوسعة الكبرى في ذلك الحين (161هـ-169هـ) التي ضاعفت المساحة لتصل إلى نحو 28.000 متر مربع في العصر الأموي والعباسي حتى بلغت ريادة الخدمة وعظمة الإنجاز في العهد السعودي. فمنذ دخول الملك عبدالعزيز آل سعود -طيب الله ثراه- مكة عام 1343هـ، دخل الحرم المكي عهدًا جديدًا من الرعاية المؤسسية. بدأت بإنشاء «مجلس إدارة الحرم» وصيانة المسعى وإضاءة الحرم بالكهرباء لأول مرة، وصولًا إلى التوسعات السعودية الثلاث. ففي العصر الحديث، بدأت التوسعة السعودية الأولى بين عامي 1955 – 1973 ميلادية، في عهد الملك سعود والملك فيصل رحمهما الله، لتنقل الحرم إلى مرحلة العمارة الحديثة والخدمات المتكاملة. ثم تلتها التوسعة السعودية الثانية بين عامي 1988 – 2005 ميلادية، وهي توسعة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد رحمه الله، التي أضافت الساحات الخارجية الكبرى وبوابة الملك فهد رحمه الله.
ولم يتوقف التطوير، بل تسارع في التوسعة السعودية الثالثة بين عامي 2011 – حتى الآن، وهي توسعة الملك عبدالله، رحمه الله، والملك سلمان أدام الله عزه، التي تُعد الأضخم مساحةً واستيعابًا. في منظومة إدارة الحشود وهندسة التنفس البشري. فلم تعد إدارة الحشود مجرد تنظيم بشري، بل أصبحت علمًا رقميًا تقوده القوات الخاصة لأمن الحج والعمرة بالتعاون مع الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي ووزارة الحج والعمرة إذ تعتمد القوات الخاصة لأمن الحج والعمرة اليوم على هندسة الأنظمة والنمذجة والمحاكاة والتوأمة الرقمية في نظام الإنذار المبكر الذكي، حيث تراقبه غرف عمليات مركزية تستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتنوعة لتحليل الكثافة البشرية في كل متر مربع. وتفتيت الكتل البشرية إذ يتم تحويل المسارات آليًا بمجرد وصول الكثافة إلى 4 أشخاص في المتر المربع، لضمان انسيابية الحركة ومنع التدافع وإدارة المنافذ. وتشرف القوات على أكثر من 150 بابًا ومدخلًا، مع تطبيق بروتوكولات صارمة لفصل حركة الداخلين عن الخارجين. بالتكامل مع جهود الهيئة العامة لشؤون الحرمين إذ تعمل كخلفية إدارية ضخمة تضمن جودة تجربة ضيوف الرحمن والتوجيه والإرشاد وتوفير مرشدين يتحدثون أكثر من 50 لغة عالمية لتقديم الدعم الفوري لضيوف الرحمن والمقرأة الإلكترونية والدروس العلمية التي تبث رقميًا لتصل لآلاف المستفيدين في أروقة الحرم. وتعد وزارة الحج والعمرة المهندس الأول لرحلة ضيوف الرحمن قبل وصولهم؛ فمن خلال تطبيق نسك (Nusuk)، يتم تنظيم تدفق المعتمرين عبر تصاريح ذكية مرتبطة بساعة الحرم المركزية. مع التوازن الرقمي لتضمن الوزارة عدم تجاوز الطاقة الاستيعابية للمطاف المقدرة بـ107 آلاف طائف وطائفة في الساعة من خلال جدولة المواعيد بدقة متناهية، مما جعل الزحام الخانق جزءًا من الماضي.
واليوم، نرى تجسيد الرؤية الحالية والمشاريع التطويرية ورؤية المملكة 2030، و«الرواق السعودي». هذا الرواق الذي يوفر مساحات طواف واسعة وأدوارًا متعددة بطاقة استيعابية هائلة، مع الحفاظ على الهوية البصرية الإسلامية، ليكون شاهدًا على عصرٍ ذهبي يخدم ضيوف الرحمن بأحدث التقنيات وأرقى التصاميم المعمارية. رؤيةٌ تتحقق لخدمة ضيوف الرحمن بطاقة استيعابية تتجاوز الملايين، مساحاتٌ شاسعة، وأنظمة ذكية، وعمارةٌ تجمع بين الأصالة والازدهار. والرواق السعودي ليس مجرد بناء إضافي، بل هو «أيقونة العمارة الإسلامية الحديثة» التي أحدثت ثورة في تجربة الطائفين والمصلين ويغطي مساحة شاسعة تصل إلى 210.000 متر مربع ويضم أكثر من 1.500 عمود مكسو بالرخام الفاخر، و18 قبة (12 منها سماوية متحركة و6 ثابتة)، مما يضفي جمالية معمارية مذهلة ويسمح بدخول الضوء الطبيعي.
ويعتبر الرواق السعودي الحل العبقري لمواجهة الازدحام، حيث رفع الطاقة الاستيعابية. ويستوعب حوالي 287.000 مصلٍ في وقت واحد. وبفضل أدواره المتعددة، رفع طاقة الطواف إلى 107.000 طائف في الساعة (بالاشتراك مع صحن المطاف)، مما يعني انسيابية عالية جدًا حتى في أوقات الذروة مثل رمضان والحج. ويتكون الرواق من 4 أدوار مجهزة بالكامل لراحة ضيوف الرحمن. ويضم الرواق 428 سلمًا كهربائيًا و28 مصعدًا، مما يسهل الانتقال بين الأدوار في ثوانٍ معدودة. اللهم يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، يا من لا تضيع عنده الودائع، نسألك في الأيام المباركة من جوار بيتك العظيم، أن تحفظ بلادنا وبلاد المسلمين. اللهم احفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، اللهم أيده بتأييدك، وألبسه ثوب الصحة والعافية، واجزه خير الجزاء عما قدم ويقدم للإسلام والمسلمين، واجعل ما يبذله في خدمة الحرمين الشريفين في موازين حسناته. اللهم ووفق ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، وسدد خطاه، وأعنه على حمل الأمانة، واجعله مباركًا أينما كان، وحقق على يديه الخير للبلاد والعباد، واجزه خير الجزاء على رؤيته الحكيمة التي يسرت على ضيوف الرحمن مناسكهم.