في جوهر هذا الرصيد تقف الثقة بوصفها العنصر الأكثر حساسية واستدامة. فالدولة التي تُعرف بوضوح رؤيتها، وبثبات أولوياتها، وبقدرتها على إدارة الخلاف دون انزلاق إلى القطيعة الدائمة، تمتلك ميزة تفاوضية صامتة. هذه الميزة لا تُمنح، بل تُكتسب عبر الزمن، حين يدرك الآخرون أن التعامل مع هذه الدولة يقوم على قواعد يمكن التنبؤ بها، حتى في لحظات الاختلاف. ومن هنا يصبح الاتساق السياسي، لا المناورة المؤقتة، هو العملة الأعلى قيمة في سوق التفاوض الدولي.
ولا يقل البعد الأخلاقي أهمية عن البعد السياسي في بناء هذا الرصيد. فالدبلوماسية التي تُدار بمنطق الربح اللحظي قد تحقق مكاسب سريعة، لكنها تُفلس إستراتيجيًا على المدى الطويل. أما الدول التي تحترم القانون الدولي، وتتعامل مع الأزمات الإنسانية بمنطق المسؤولية لا التوظيف، وتشارك بفاعلية في المنصات متعددة الأطراف، فإنها تبني صورة تفاوضية تجعل مواقفها مسموعة حتى حين تكون محل خلاف. الرصيد التفاوضي هنا يتحول إلى أصل إستراتيجي غير ملموس، لكنه حاضر في كل مفاوضة جادة.
ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة موقف الدبلوماسية السعودية في اتفاق استئناف العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 2023، بوصفه تجسيدًا عمليًا لفكرة الرصيد التفاوضي، لا كتحول مفاجئ أو تنازل سياسي، بل كنتيجة طبيعية لمسار طويل من إدارة المواقف بحساب دقيق. فالمملكة لم تدخل هذا المسار من موقع اندفاع أو ضعف، بل من موقع دولة راكمت تجربة تفاوضية جعلت قرارها محسوبًا، ورسالتها واضحة، وسلوكها قابلًا للفهم دوليًا.
أهمية هذا الموقف لا تكمن في الاتفاق ذاته بقدر ما تكمن في السياق الذي أُنجز فيه. فاختيار الحوار بعد سنوات من التوتر لم يكن إنكارًا للخلافات، بل إعادة تنظيم لها ضمن إطار يخدم الاستقرار الإقليمي. كما أن إنجاز الاتفاق برعاية صينية عكس قدرة المملكة على قراءة التحولات في النظام الدولي بمرونة إستراتيجية، دون قطيعة مع شركائها التقليديين، ودون ارتهان لمحور واحد. هذا التوازن في الشراكات هو أحد أبرز مكونات الرصيد التفاوضي المتقدم.
لقد قُرئ الاتفاق دوليًا بوصفه تعبيرًا عن نضج دبلوماسي أكثر منه صفقة سياسية. فالدولة التي تستطيع الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة الاستقرار دون أن تفقد وضوحها أو هيبتها، هي دولة تمتلك فائض ثقة في أدواتها. وهنا يتجلى جوهر الرصيد التفاوضي السعودي؛ فهو لا يقوم على كثافة الخطاب، بل على دقة التوقيت، ولا يعتمد على التصعيد كخيار افتراضي، بل على إبقاء جميع المسارات مفتوحة دون التفريط بالثوابت.
في عالم يتجه نحو تعددية قطبية غير مستقرة، تزداد قيمة هذا النوع من الرصيد. فالتأثير لم يعد حكرًا على القوة الصلبة، بل أصبح مرهونًا بقدرة الدولة على أن تكون شريكًا موثوقًا، ووسيطًا مقبولًا، وطرفًا يُحسب له حساب في لحظات الانسداد السياسي. ومن هذا المنظور، فإن تجربة الدبلوماسية السعودية مع إيران عام 2023 ليست حدثًا عابرًا، بل مثالًا على كيف يمكن للدولة أن توظف رصيدها التفاوضي المتراكم لإعادة صياغة دورها الإقليمي بطريقة هادئة، لكنها عميقة الأثر.
وهكذا، يتضح أن الرصيد التفاوضي ليس مفهومًا نظريًا معزولًا، بل مرآة لعقل الدولة ونضجها السياسي. هو ما يجعل قراراتها مفهومة حتى حين تكون مفاجئة، ومواقفها محترمة حتى حين تكون حازمة. والدبلوماسية السعودية، في هذا السياق، تقدّم نموذجًا معاصرًا لكيف يتحول التراكم الهادئ للمواقف إلى نفوذ تفاوضي فعلي، لا يُعلن كثيرًا، لكنه يُقرأ جيدًا من قبل من يعرف قواعد اللعبة الدولية.