في رمضان… يصبح الزمن أبطأ، ليس لأن الساعات تغيرت، بل لأن القلوب تصبح أكثر انتباهاً، ننتبه لصوت الأذان… لرائحة الطعام… لقشعريرة الدعاء، ولأشياء أخرى لا تُرى، إنما تعبر القلب كنسمة. أحياناً ننتبه للرحيل، رحيل يحدث بهدوء، دون ضجيج أو جزع، دون مقاومة، وكأن الروح لم تُنتزع، بل عرجت إلى السماء بكل لطف، كأنها كانت تنتظر هذا الشهر.
أتذكر، حينما كنت طبيبة امتياز في قسم الباطنة، بمستشفى جامعة الملك عبد العزيز، في إحدى الغرف، كان هناك شاب، عمره عشرين عاماً، مصاب بتليف في الكبد مع استسقاء في البطن، أحياناً تصيبه هلوسة، لارتفاع مستوى السموم في الدم، وتارة أجده يتحدث مع أبيه الذي كان يرافقه، بصوت منخفض! وأثناء مناوبتي في ليلة 22 رمضان، طلبت مني الممرضة أن أذهب لسحب غازات الدم لهذا المريض، ذهبت وجدته نصف مستلق، لأول مرة دون والده، عيناه جاحظتان تطالعان السقف بشكل مخيف، لم أسحب الدم، ذهبت أستغيث بالممرضة لثوان، وحينما عدنا وجدناه مغمضا عينيه، ونبضه ضعيف، تمّ الإعلان عن كود أزرق، وأتى فريق الإنعاش، لكنه لم يستجب. مات بهدوء، دون أن يهلوس هذه المرة، ليس من السهل إخبار أهله، بالذات والده، الذي لم يفارقه إلا تلك الليلة، مرت السنوات ولم أنس كلماته، حينما أخبرته بالوفاة، (الحمد لله، الذي قبضه في هذه الليلة المباركة، روحي يا بنتي صلِ شكلها ليلة القدر!)، لكن كيف عرف! أي طمأنينة هذه، التي طبطبت على قلب هذا الأب المكلوم، سألت نفسي، هل سيكون الأمر نفسه لو أنه مات في وقت مختلف!!
الراحلون في رمضان، لا يرحلون في وقت عادي، بل حينما تكون السماء أقرب، الدعوات أكثر، في وقت يكون ذكر الله في أغلب البيوت، وفي كل قلب، وكأن الروح تختار لحظة تكون فيها الطريق للسماء مُضاءة.الذين يرحلون في رمضان، يتركون خلفهم شعوراً مختلفاً، الحزن موجود… نعم، لكن معه سكينة غريبة، كأن القلب، رغم ألمه، مطمئن، وكأن شيئاً داخله يهمس (لم يرحل في غفلة.. لم يرحل وحده). لا أحد يعرف ما تشعر به الروح في لحظة الرحيل، لكن الذين شهدوا تلك اللحظة يقولون:
إن السلام كان واضحاً، ليس في الكلمات، بل في الملامح، نور لم يكن موجوداً من قبل.
في رمضان، يتغير كل شيء، حتى الوداع، يصبح أهدأ، أقل قسوة، أكثر امتلاءً بالرجاء، يقولون لأنفسهم: (ربما اختار الله له هذا الوقت)، ليس لأنهم يعرفون الغيب، بل لأنهم يؤمنون بأن الرحيل جاء رحيماً، في لحظة ما، حين سكن كل شيء، وخرج آخر نفس. لم تشعر الروح بالخوف، بل بسلام كانت تبحث عنه طوال الحياة، ووجدته أخيراً في رمضان.