في هذا السياق، شاع استعمال تعبير «الذاكرة التاريخية»، وهو تعبير يبدو في ظاهره بريئًا، لكنه في جوهره يحمل مفارقة لغوية وفكرية عميقة، فالذاكرة بطبيعتها ذاتية وانتقائية، مشحونة بالعاطفة والانتماء، بينما التاريخ محاولة عقلانية لفهم ما وقع، بما فيه مما لا نحبّ ولا نرضى. الجمع بينهما، دون وعي بالفارق، يشبه -كما قال جورج أورويل- «محاولة التحكم بالمستقبل عبر السيطرة على الماضي».
التاريخ ليس حنينًا، ولا عزاءً نفسيًا، ولا محكمة أخلاقية متأخرة.. التاريخ، في معناه الدقيق، هو جهد شاق لتجريد الوقائع من رغباتنا، ورؤية ما حدث كما حدث، لا كما نحب أن نتذكره، ولهذا شبّه بول ريكور المؤرخ بالقاضي، قائلاً: «المؤرخ لا يبحث عن البراءة ولا عن الإدانة، بل عن الفهم»، فكما لا يجوز للطبيب أن يغيّر تشخيصه بدافع الشفقة، ولا للقاضي أن يحكم بعاطفته، لا يجوز للمؤرخ أن يُخضع الوقائع لانتمائه أو جراحه.
أما الذاكرة، فهي شيء آخر تمامًا، الذاكرة هي ما يبقى فينا من الألم، من الفقد، من الصدمة، من القصص التي رُويت في البيوت لا في الكتب، إنها شخصية حتى حين تكون جماعية، لأنها تُبنى من التجربة لا من الوثيقة؛ ولهذا قال نيتشه: «نحن بحاجة إلى الذاكرة لنعيش، لكن الإفراط فيها قد يقتل الحياة نفسها»، فالذاكرة إذا خرجت من مجالها الطبيعي، وتحولت إلى أداة تعبئة دائمة، فإنها تُنتج شعورًا متضخمًا بالضحية، وحاجة لا تنتهي إلى تصفية الحساب.
المشكلة لا تكمن في استحضار الماضي، بل في الطريقة والغاية، فبين النسيان الكامل -الذي هو شكل من أشكال الهروب- وبين اجترار الذاكرة، الذي يتحول إلى سجن، يوجد طريق ثالث: طريق الفهم.. طريق يسمح للذاكرة أن تبقى إنسانية، وللتاريخ أن يظل علمًا.. هذا التوازن الدقيق هو ما عبّرت عنه حنّة آرندت حين قالت: «الفهم لا يعني التبرير، بل المصالحة مع واقع لا يمكن تغييره».
غير أن المجتمعات، حين تُصاب بالاستقطاب، تميل إلى الخلط بين المجالين، فيتحول الماضي إلى سلاح، والذاكرة إلى هوية مغلقة، والتاريخ إلى خطاب تعبوي، عندها لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل: من معنا ومن ضدنا؟ وهنا يبدأ الخطر الحقيقي، لأن الماضي لا يعود مساحة للتعلّم، بل يصبح وقودًا لصراعات جديدة.
ليس من الخطأ أن يدرس الإنسان تاريخًا يمسّه شخصيًا، ولا أن يحمل ذاكرة مؤلمة، الخطأ هو أن يطالب الآخرين بأن يروا الماضي بعينيه، أو أن يُحوّل جرحه الخاص إلى معيار أخلاقي عام، فكما قال ألبير كامو: «الشر يبدأ حين نعتقد أن آلامنا تمنحنا حقًا مطلقًا».
المجتمعات السليمة هي تلك التي تسمح للتاريخ أن يُكتب بهدوء، وللذاكرة أن تُعاش بكرامة، دون أن يلتهم أحدهما الآخر. مجتمعات تفهم أن الماضي لا يُمحى، لكنه أيضًا لا يُدار بالعواطف وحدها. وأن العدالة مع الذاكرة لا تعني تحويلها إلى أيديولوجيا.
بين النسيان القاسي وتقديس الألم، يمتد طريق صعب لكنه ضروري: طريق التحليل المتزن، والاعتراف دون استثمار، والتذكّر دون تحريض، طريق يحتاج إلى شجاعة أخلاقية أكثر مما يحتاج إلى خطابات عالية، وربما، كما قال والتر بنيامين: «الخطر الحقيقي لا يكمن في أن ننسى الماضي، بل في أن نتذكره بالطريقة الخطأ».