من دأبنا أننا نضع النقاط على الحروف المعجمة (المنقوطة) ليتضح المعنى والسياق، غير أن البعض يحاول عبر سردية مضادة: نقل نقاط الحروف المعجمة إلى الحروف المهملة (من النقط)، في عملية تشويه مقصودة للمعنى قبل أن تكون تغييرًا لرسم الكلمة، فحينما تفرغ المفاهيم من مضمونها، تصبح الحقيقة قابلة للاستبدال، والسياق قابلًا للحذف والإضافة، وتصبح الحقيقة متهمة داخل محكمة سردية مضادة لا تعترف بالأدلة قدر اعترافها بالضجيج.
إن من أخطر ما يجري اليوم في هذا الصدد، هو تدوير سرديات تزعم أن المملكة العربية السعودية قد اقتربت من تحالفات أو تفاهمات مع «جماعات الإسلام السياسي»، أو أنها «ليّنت» موقفها تجاه جماعة الإخوان المسلمين المصنّفة إرهابية في السعودية، وقد سبق أن أشرت في المقال السابق إلى شيء من هذا التلاعب، تعليقًا على ما رافق زيارة وزير الخارجية السعودي إلى واشنطن مؤخرًا من تصريحات، فهم من خلالها، أن ثمة من حاول استثمار الموقف في اليمن لإعادة تركيب الصورة خارج سياقها، أو حاول نقل النقاط من الحروف المعجمة إلى الحروف المهملة؛ أي تحويل موقف ثابت إلى «احتمال متخيّل»، و«قراءة رغبوية» تكتبها غرف الإعلام، ونسجها هرطقات المغردين.
ولعل أول ما ينبغي تثبيته هنا أن ملف الإرهاب في السعودية لا يُدار بمنطق الانفعال، ولا تُحرّكه لحظة إعلامية أو ضغط عابر، إنه ملف تُديره مؤسسات وخبرات اكتسبت حسّها الواقعي من مواجهة طويلة، دفع المجتمع والدولة أثمانها، وتعلّمت منها أن الإرهاب ليس مجرد حدث عابر، بل منظومة متحوّلة؛ تتبدّل وجوهها وأدواتها وخطابها، وتستثمر في الفوضى وتقتات على الشكوك، ومن ثم فإن الرجال الذين يديرون ملف الإرهاب في السعودية اليوم هم رجال بلا أوهام، رجال حقائق فقط، وهؤلاء الرجال لا تسيطر عليهم العاطفة والأهواء التي تنتظمها المخاوف والمطامع والمصالح، والتي حتمًا ستوثر على الفرضيات التي ينطلقون منها للقضاء على أخطر ما يمكن أن يواجه البشر، وهو الإرهاب الذي أصبح الضلع الرابع في ثالوث: الجهل والمرض والفقر.
ومن هنا، فإن إعادة تقييم «الحرب على الإرهاب» ليست ترفًا معرفيًا، بل ضرورة لإعادة الاعتبار لمعنى طالته كثافة الاستخدام حتى أوشك على فقدان دلالته، فقد تحوّل «الإرهاب» من كونه خطرًا محدقًا تُواجهه الدول عبر أدوات القانون والسياسة والأمن والتعاون الدولي المشترك، إلى كونه سردية قابلة للتوظيف؛ حيث إن في «الإرهاب» قصة كبيرة بأجزاء كثيرة متحركة، يمكن التلاعب بها: تضخيمًا، أو تمييعًا، أو انتخابًا وانتقاءً وفق المصالح.
والتاريخ السياسي يكشف سياق التطور المفاهيمي لقضية «الحرب على الإرهاب»، إذ إنها لم تتشكل في السياسة الدولية على نحوٍ محايد، فالسياسة الأمريكية –والغربية عمومًا– لم تتعامل مع «الإرهاب» بصيغته الراهنة إلا في مرحلة متأخرة نسبيًا، في منتصف الثمانينيات، حيث كانت الأدبيات السياسية الغربية قبلها تميل إلى تفسير الإرهاب بوصفه «رد فعل مقبول» مقابل القمع السياسي والاجتماعي، وكانت النتيجة أن الموقف الأخلاقي والسياسي من الإرهاب لم يكن حاسمًا في كثير من المنابر، ثم جاءت مرحلة التحول الكبرى مع جهودٍ سياسية ودبلوماسية وإعلامية قادها رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي «نتنياهو» على مستويات رسمية وشبه رسمية، على مدى سبع سنوات، بيّنها في مذكراته (مكان بين الأمم، التي صدرت طبعتها الأولى بالعبرية في 1993)، الأمر الذي نقل الغرب من خطاب «القبول» إلى خطاب «التجريم المطلق»، بحيث أصبح الإرهاب مرفوضًا مطلقًا بغض النظر عن تعريفه أو هوية فاعليه أو دوافعهم المعلنة.
بعد ذلك بسنوات، جاء 11 سبتمبر ليُطلق اللحظة الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل المجال العالمي: لحظة اختلط فيها المشروع الأمني بالمشروع السياسي، ومنذ تلك اللحظة، لم تعد «الحرب على الإرهاب» مجرد إطار للتعاون الدولي، بل أصبحت منصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتبديل التحالفات، وتوسيع التدخلات، بل إن بعض الدول –وهنا مكمن الخطورة– باتت تمارس دورين متناقضين في آن واحد: تحفّز الإرهاب في الكواليس، وعلى خشبة المسرح تؤدي دور «المقاتل العنيد» ضده، وتحولت «الحرب على الإرهاب» في بعض السياقات من تحييد لخطر الإرهاب إلى إعادة تدويره بأوجه ووظائف جديدة.
وفي قلب هذا التشابك، تظهر السعودية بوصفها نموذجًا مختلفًا في التعامل مع الإرهاب؛ نموذجًا لم يجعل من الإرهاب سلّمًا لشرعية سياسية أو ورقة مساومة، بل تعامل معه بوصفه خطرًا وجوديًا على الإنسان والمجتمع والدولة والسلم العالمي، ولئن كانت بعض الدول توظف الإرهاب لاستنزاف خصومها أو لإدارة مناطق نفوذها، فإن السعودية تعاملت معه بمنطق تجفيف المنابع الفكرية والتمويلية والتنظيمية، وتطوير التشريعات، وبناء القدرات، وتفعيل التعاون الدولي، والقيام بدورٍ ممتد في تفكيك الشبكات لا الاكتفاء بملاحقة الأفراد.
ولعل ما يضاعف من أهمية هذا النموذج -النموذج السعودي- هو أن الإرهاب لم يعد مجرد جماعات «تحلم بالجنة» أو «الخلافة»، بل صار في كثير من الحالات جماعات وظيفية مسيّرة، تُستثمر حيث تُراد الفوضى، وتُطلق حيث يراد الضغط، وتُجمَّد حيث يراد التفاوض، وهنا تحديدًا يشتد صراع السرديات: لأن الدولة التي تفهم التحول الوظيفي للجماعات الإرهابية ستضع يدها على جوهر المشكلة، أما الدولة التي تبقى أسيرة لأجندة خارجية فستقاتل ظلًّا وتترك الأصل، ومن هنا نفهم لماذا يُراد تشويه الدور السعودي في «الحرب على الإرهاب»: لأن السعودية لا تقاتل الإرهاب بوصفه حكاية إعلامية، بل بوصفه بنية، وحينما يكون عمل الدولة مؤسسيًا وهادئًا، يسهل على خصومها أن يملؤوا الفراغ السردي بأكاذيب مصممة على مقاس اللحظة؛ لذلك تتولد سرديات مضادة هدفها ليس مناقشة سياسات المملكة، بل ضرب معناها: تصوير الصرامة ضد «الإسلام السياسي» بوصفها «مرونة»، وتصوير ثبات الموقف بوصفه «انعطافًا»، وتصوير الشراكات الدولية بوصفها «تنازلات»، فما هي إلا إعادة تدوير الاتهامات القديمة بأدوات جديدة.
لهذا كله، فإن إعادة تقييم مصطلح «الحرب على الإرهاب» هي معركة تعريف ومعنى قبل أن تكون معركة إجراءات، وهي معركة إعادة المفاهيم إلى سياقاتها، وإعادة الاعتبار للدور الذي لا يتاجر بالإرهاب ولا يستثمر فيه.
أخيرًا، إن «الحرب على الإرهاب» مشروع حماية للإنسان والمجتمع والدولة، أما إذا تحول إلى شماعة سياسية، فهو بابٌ واسع لتزييف المفاهيم، ونزع النقاط عن الحروف، حتى يغدو المعنى مهملًا، والزيف معجمًا.