فحين كشف المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع اللواء الركن تركي المالكي عن تدمير 56 صاروخاً باليستياً و17 صاروخ كروز ونحو 450 طائرة مسيّرة حاولت اختراق الأجواء السعودية، لم تكن تلك مجرد أرقام عسكرية تُقرأ ثم تُنسى، بل كانت مؤشراً واضحاً إلى مستوى الجاهزية العملياتية التي وصلت إليها القوات المسلحة السعودية في التعامل مع أخطر أنواع التهديدات الجوية المركبة التي يشهدها العالم اليوم. فالتعامل مع هذا الحجم من الهجمات، المتنوعة في طبيعتها وأدواتها، يكشف عن منظومة دفاع جوي متقدمة وقوات جوية تمتلك خبرة عملياتية تراكمت على مدى أكثر من عقد من المواجهة الفعلية مع هذه التهديدات.
ومن هنا يمكن فهم ما أشار إليه المتحدث الرسمي لوزارة الدفاع حين أكد أن القوات المسلحة السعودية تمتلك خبرة تمتد لعشر سنوات في التعامل مع التهديدات الجوية، وهي خبرة ميدانية حقيقية لا تُصنع في قاعات التدريب بقدر ما تصنعها التجارب العملياتية. ولعل من أبرز ما يعكس هذه الخبرة أن القوات الجوية الملكية السعودية كانت أول قوة في العالم تنجح في تدمير صواريخ كروز في ظروف عملياتية حقيقية، وهو إنجاز تقني وعسكري يعكس مستوى متقدماً من الكفاءة في تشغيل الأنظمة الدفاعية المعقدة والتعامل مع التهديدات الحديثة.
غير أن قراءة هذه النجاحات العسكرية لا تكتمل دون ربطها بالمشروع الوطني الأوسع في إطار رؤية السعودية 2030. فالرؤية لم تتعامل مع الأمن بوصفه ملفاً منفصلاً عن مسار التنمية، بل جعلت تطوير القدرات الدفاعية وتوطين الصناعات العسكرية جزءاً أساسياً من بناء الدولة. ولذلك نشهد اليوم توسعاً متسارعاً في برامج نقل التقنية العسكرية وتوطين الصناعات الدفاعية، بما يعزز قدرة المملكة على حماية أمنها الوطني اعتماداً متزايداً على قدراتها الذاتية.
وامتداداً لهذا الفهم الشامل لمفهوم الأمن، جاء إطلاق وزارة الدفاع خدمة الإبلاغ عن المشاهدات الجوية المشبوهة عبر التطبيق الوطني الشامل «توكلنا» ليعكس نموذجاً حديثاً في إدارة الأمن الوطني، يقوم على تكامل المؤسسات العسكرية مع المجتمع. فبإمكان المواطن أو المقيم الإبلاغ خلال ثوانٍ عن أي جسم جوي مشبوه لتصل المعلومة مباشرة إلى مراكز القيادة والعمليات، بما يعزز سرعة الاستجابة ويرفع مستوى الجاهزية في حماية الوطن.
وفي المحصلة، فإن دولةً تستطيع أن تتعامل مع هذا الحجم من التهديدات، وتطوّر صناعاتها العسكرية في الوقت ذاته، وتُشرك مجتمعها في منظومة الأمن الوطني، هي دولة لا تبني قوتها كرد فعل للأزمات، بل تبنيها كخيار استراتيجي طويل المدى. ولهذا فإن المملكة لا تحتاج إلى إعلان قوتها؛ لأن ما تحقق على أرض الواقع أصبح كفيلاً بأن يبرهن أن أمنها تحميه منظومة دفاعية متقدمة وإرادة دولة تدرك أن قوة الوطن هي الضمانة الأولى لاستقرار تنميته ومستقبله.