فعندما نسبر أغوار هذه الشخصية التاريخية ونقف على خواصها، نجد أنها شخصية وطنية تتمتع بخصائص الرجال الكبار، ليس بوصفه رجلًا حكيمًا ومحنكًا وحصيفًا فحسب، وإنما بوصفه أيضًا شخصية أدبية وثقافية وفكرية يتمتع بوضوح الرؤية، وسعة الأفق، وبعد النظر والنهج الرصين، تتملكه عقلية منظمة، وقدرات ذهنية، وتفكير عميق. وقد ظهر ذلك من خلال رؤيته الإستراتيجية، ومنهجيته القيادية، ونتاجه الفكري، وطريقة تفكيره، وبكونه مدرسة فكرية، وروحًا جامعة، ركز في مجالسه الأدبية والثقافية والفكرية في كل من: الرياض والقاهرة ولندن وجنيف، على الحوار العقلاني، والنقاش الواقعي، متخذًا الحوار منهجًا، متجاوزًا حدود الانتماءات الجغرافية في علاقاته الثقافية والفكرية الواسعة مع مختلف الشخصيات العربية والعالمية. ففي كتابه الشهير ” في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء” ، والذي كتبه في قالب أدبي وفكري رصين، أسس لفلسفة حوارية بينه وبين الشاعر المتنبي، فقد كان الكتاب مشروعًا فكريًا، وتواصلًا بين أزمنة متباعدة، وحوار بين زمنين، ونموذجًا للحوار التفاعلي في عالم تراجع فيه الحوار، وأصبح يعاني أزمة عميقة في التواصل البشري، بسبب استبدال جسور الحوار بآليات القوة. الكتاب يبهرك بعمقه وبساطته وإنسانيته، تقرأ فيه حوارًا فلسفيًا وجدانيًا بين المؤلف والمتنبي، تبرز فيه فلسفة المؤلف العميقة، ونظرته الفكرية، وتحليله الموضوعي، في حوار عابر للأزمنة يعكس عمقًا فكريًا، وثقافة موسوعية.
في أحد حواراتي مع الشيخ عبدالعزيز التويجري، حول الكتاب – عام 1985- سألته: كتابكم عن المتنبي صدر منذ أكثر من عامين، أثار كثيرًا من التعليقات والنقاش، ومعروف أن المتنبي كتب عنه كثير من الأدباء، ما هي في رأيكم الخصوصية التي ميزت «في أثر المتنبي» عن غيره. فأجاب: «إنني قارئ ومتتلمذ على حكمة أبي الطيب وفلسفته التي أكسبته إياها الحياة والناس، وجدت نفسي في حالة من الحاجة الى التعبير عن أحاسيسي وعن صامت في أعماق النفس لم أجد له من يستنطقه غير أبي الطيب، فهو كاتب الرسائل وهو ممليها، وليس لي دور فيها غير رجل اقتفى أثره في قلب الصحراء فعلق به صدى صوت أبي الطيب الجهوري الفلسفي والناقد، فرددت في هذه الرسائل صدى لا غير».
كان التويجري يتبنى فلسفة الحوار، معتبرًا أنه وسيلة حضارية وإنسانية، ولذلك تدور معظم أحاديثه حول الحوار، لأن التحاور المباشر والجاد أرضية إيجابية في سبيل التواصل الإنساني، والتعارف الهادف بين مختلف المتحاورين، فالعالم اليوم أحوج ما يكون لأن يتمثل روح الحوار، لأن الحوار هو البديل العاقل للطرح.
عام 1985 زارنا التويجري في مجلة المبتعث بواشنطن، وكان قد جاء إلى الولايات المتحدة الأمريكية في زيارة خاصة توقف فيها في واشنطن، ولكننا لم نكن لندع شخصية بهذه السعة وهذا العمق، وقد حل بيننا من غير أن نتحاور معه، فإجراء لقاء معه متعة وسياحة عقلية عميقة، فألححت عليه ولم يرض له كرمه أن يردني، وفي الساعة الخامسة، توجهت إليه في مكان إقامته في واشنطن، وأجريت معه حوارًا أدبيًا شاملًا، نشر في مجلة المبتعث. وفي عام 1987، وأثناء زيارة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد «الملك عبدالله بن عبدالعزيز» إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أصدرنا عددًا خاصًا من مجلة المبتعث بمناسبة الزيارة، وأثناء التحضير للعدد الخاص اتصلت بالشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري لإجراء حوار معه حول الزيارة، فبادر على الفور، وأجاب على كل أسئلتنا، وكان محاورًا فذًا، يتميز بالإيجاز والعمق، يتجاوز مجرد تبادل الكلمات، لتصبح تشاركًا وجدانيًا عقليًا لبناء جسور التواصل الإنساني.