عمل الجمعيات الأهلية يقوم في الأساس على خدمة قضايا المجتمع والفئات التي أُنشئت من أجلها. ويعد نشر الوعي خطوة مهمة وضرورية، لأنه المدخل الطبيعي لفهم المشكلة والتعامل معها. لكن التركيز على التوعية وحدها قد لا يكون كافيًا؛ إذ قد يؤدي أحيانًا إلى زيادة إدراك المشكلة دون توفير أدوات عملية للتعامل معها. فعندما يصبح الفرد أكثر وعيًا بالتحديات التي يواجهها دون وجود برامج تمكين أو دعم اجتماعي، قد يزداد شعوره بالقلق أو الإحباط، مما ينعكس سلبًا على جودة حياته.
ومن هنا تظهر أهمية تحقيق التوازن بين برامج التوعية والبرامج الخدمية.
ومن التجارب الجديرة بالاهتمام بعض الجمعيات المتخصصة في التوعية بمرض السيلياك، والتي استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة تحقيق تقدم ملحوظ من خلال الجمع بين التوعية والخدمات العملية. ويبدو أن هذا التوازن بين النوعين من البرامج كان أحد عوامل نجاحها.
سأضرب أمثله افتراضيه لتوضيح الفكره قد يكون منها ما طبق وسآخذ موضوع السلياك كنموذج فعلى مستوى برامج التوعية، تشمل الجهود التعريف بمرض السيلياك، مما يسهم في زيادة اكتشاف الحالات الجديدة، إضافة إلى التوعية بالآثار الصحية والنفسية المرتبطة بالمرض، وتثقيف المختصين في مختلف التخصصات الطبية التي قد تظهر من خلالها أعراض السيلياك. كما تمتد هذه الجهود إلى توعية المدارس بطبيعة المرض، وتعريف المرضى بمصادر الجلوتين التي قد توجد في بعض الأطعمة أو الأدوية أو حتى في بعض الأدوات والمنتجات.
أما على مستوى برامج التمكين والدعم الاجتماعي، فتشمل المبادرات التي تسهم في تحسين جودة حياة المرضى، مثل: التثقيف بكيفية قراءة الملصقات الغذائية، والتوعية بالغذاء والدواء المناسبين، وتقديم السلال الغذائية، وتوفير وجبات خالية من الجلوتين للحجاج في موسم الحج. كما يمكن تمكين المطاعم من تقديم خيارات مناسبة لمرضى السيلياك، وإعداد قوائم بالمطاعم والمتاجر التي توفر منتجات خالية من الجلوتين، إضافة إلى إقامة دورات طهي متخصصة للأطعمة الخالية من الجلوتين. ومن البرامج المهمة كذلك تقديم دورات تدريبية لتعزيز المرونة النفسية لدى المرضى، وبناء شراكات مع هيئة الغذاء والدواء لزيادة وضوح معلومات الحساسية الغذائية على المنتجات والأدوية، إضافة إلى التعاون مع وزارة التعليم لتوفير خيارات غذائية مناسبة في المقاصف المدرسية.
ومن المفيد أيضًا ربط البرامج ببعضها البعض، بحيث ينتقل الشخص الذي يتعرّف على المرض من خلال برنامج توعوي إلى برامج أخرى تساعده عمليًا، مثل برامج التثقيف الغذائي أو دورات الطهي أو برامج الدعم الاجتماعي. كما يمكن تصميم برامج متكاملة للمرضى الجدد تتضمن مواد تثقيفية مسجلة أو كتيبات توعوية عبر مواقع الجمعيات، إلى جانب أنشطة حضورية تعزز المهارات العملية وتوفر دعمًا اجتماعيًا بين المرضى.
يبقى الوعي حجر الأساس في عمل الجمعيات الأهلية، لكنه يحقق أثرًا أكبر عندما يترافق مع برامج تمكين وخدمات عملية تخفف من معاناة الفئة المستهدفة. كما أن تطوير البرامج الخدمية وتوسيع نطاقها مع نمو خبرة الجمعيات يعد خطوة مهمة نحو تحقيق أثر مستدام في المجتمع، خاصة عندما يتم ذلك عبر شراكات مع الجهات المعنية.
نسأل الله التوفيق والسداد لكل من يسهم في خدمة المجتمع، وأن يجزي خيرًا كل من صبر على ابتلاء، وكل من يمد يد العون لإخوانه في مختلف مجالات العمل الإنساني.