تواجه الثقافة تحديًا مصيريًا أمام بريق الذهب النفطي، وإذا كانت الثقافة رافدًا من روافد الحضارة. فكيف يمكن للترف النفطي أن يكون واجهة حضارية، دون أن يكون له مردود سلبي على الفكر؟سأل سائل.. لقد كان جيل ما قبل النفط يتلهف إلى الثقافة، وأن كانت مشاربها ومواردها محدودة، وكان التعليم نادرًا يصعب السبيل إليه، وكان المستعمر سببًا رئيسيًا، والفاقة من بين الأسباب. فلماذا – بعد رحيل المستعمر وتعدد مشارب التعليم وموارده ومجيء الترف النفطي – يبقى المجتمع متخلفًا خصوصًا في الجانب الثقافي؟لقد انغمس المجتمع النفطي في كل شيء إلا الثقافة، وسعى المجتمع النفطي إلى احتضان كل شيء إلا الثقافة، والمجتمع النفطي في غمرة الانكباب على الترف المادي، وفي التيه بين زخارفه لم يجد متسعًا من الوقت للثقافة، وربما تلاشى عنده الاقتناع بأهمية الثقافة، وربما أصبحت الثقافة بالنسبة له قضية لا تتواءم مع واقعه، أو كبريق من سراب، قد يكون لها بريق وما جدوى بريق السراب أمام بريق الذهب النفطي، الذي جذب إليه كل شيء حتى الزمان والمكان.والثقافة أمام بريق الذهب النفطي واجهت وتواجه تحديًا مصيريًا لم تواجهه عبر كل عصور التاريخ، وما من منكر أن التاريخ ما عرف هذا البريق بهذا الوهج الأخاذ في أي فترة أخرى، وما من منكر أن الثقافة واجهت عديات مصيرية تجاه طوفان من الجهل، أو مد من الغزو الفكري السيء النوايا، أو سدود حالت بينها وبين قومها، أو حراب غرزت على صفحاتها، أو ضربات كادت أن تكون عليها قاضية؛ ولكن القضية أن الثقافة مع بريق الذهب النفطي مازالت تواجه تحديات جمة لعل أبرزها الترف النفطي ذاته.لقد أصبح الفكر غريبًا.. وأصبح المفكرون غرباء.. وازدادت الهوة بين المفكرين في جانب والقاعدة المجتمعية في الجانب الآخر. كما ازدادت الهوة بين الفكر في جانب والقيم الممارسة في الجانب الآخر، وليست المسألة مسألة ازدياد في مساحة الهوة فحسب، ولكن في طبيعة هذه الهوة، وفي أسبابها، فلقد كان من أبرز أسبابها الأمية التي تسربل القاعدة المجتمعية الكبيرة، أما الآن – ومع بقاء الأمية سببًا – فإن العلم المقدم في طبق نفطي برز سببًا أقوى من الأمية في وجود مثل تلك الهوة.ولعل البؤس المعيشي أفضل من الترف النفطي من وجهة نظر الثقافة، التي يندر أن يناصرها في وجهة نظرها هذه، المجتمع اللاهث وراء بريق الترف النفطي متعة أو عناء في سبيل المتعة، ووجهة نظر الثقافة قد تدعمها أدلة تاريخية، ولكن هناك أدلة تاريخية أخرى تدعم وجهة نظر معارضة، وهي أن الازدهار المجتمعي في جوانبه الاقتصادية وغير الاقتصادية يتلاحم ويتقابل معه عادة الازدهار الثقافي.إن الازدهار المجتمعي الراسخ الأركان. المتكامل الجوانب، القادر على التطوير والعطاء الذاتي، هو المعنى الأقرب لمفهوم الحضارة، وليس ثمة منكرًا أن الثقافة جزء أساسي في الحضارة، وأن الحضارة والثقافة لا يمكن أن يتضادا بل العكس هو الصحيح؛ إذ أن الثقافة – وهي رافد من روافد الحضارة – تلقى من الازدهار الحضاري التربة الخصبة التي تهيأت لها كل أسباب النجاح، والنمو والانتشار، والترف النفطي في نظر الكثيرين (حضارة) ولو كان الأمر كذلك لما كان للثقافة جمود أو اضمحلال؛ بل على العكس من ذلك، لوجدت الثقافة فيه المرتع الخصب، ووجدت منه النصير الظهير.فلقد تلاشت تلك القيم أو كادت، واتخذت القيم الجديدة من الواجهة مظهرا لها يقدر الثقافة ولكنها خلف الواجهة تضرب بمفهوم الثقافة عرض الحائط، وتسخر من أي معترف بالثقافة، أو مغترف منها، والواجهة الحضارية للترف النفطي مثلها مثل الواجهة الحضارية للقيم الجديدة كلاهما يقترف باسم الثقافة، آثاما تتبرأ منها الثقافة، وكلاهما يشيد بالثقافة علنًا، ويطعنها سرا، وكلاهما يأخذ من الثقافة الغلاف.. ويطمس كل الحروف والكلمات والصفحات الناصعة، إنه لا يمكن جحود ما أسبغه النفط على المجتمع من رفاهية وترف، فلولاه، لما تيسر استخدام أحدث الأجهزة والوسائل والاستمتاع بأرقى السلع الاستهلاكية، والحصول على أحسن الخدمات، ولولاه لما كان الرصيد الكبير من حملة الدرجات العلمية، ولولاه لما كان هذا السيل الوفير من الكتب والمجلات والصحف.صحيح أن عددًا ليس باليسير من ذلك الرصيد وروافد عديدة من ذلك السيل، قد تقف من الثقافة على الهامش، وربما تقف خارج هامش الثقافة. إن الانغماس الترفي من مظاهره الانكباب على التمثيليات والأغاني، مع أن معظم هذه التمثيليات والأغاني تكاد تكون خاوية المحتوى، ثم إن معظم الكتب والمجلات والصحف، قد لا تمت إلى أي جانب من جوانب الفكر بصلة، كم هي الكتب ذات المحتوى الفكري التي تجد طريقها الى هذه القاعدة العريضة اللاهية، وكم هي المجلات الفكرية التي تستطيع الوقوف على أقدامها أو تستطيع الحفاظ على بقائها، وكم في الصحف من الصفحات، ما يمت إلى الفكر، وحتى إن كان هناك من الكتب أو المجلات أو الصحف ما يمت إلى الفكر، فأيها يجد إلى القارئ الواعي سبيلا وأين هو القارئ الواعي؟1982** شاعر وكاتب أكاديمي سعودي «1942 – 2013».
Source link