غير أن هذا التصور يغفل حقيقة أساسية مفادها أن الإنسان يمارس الإدارة يوميًا في تفاصيل حياته البسيطة، قبل أن يتعرف عليها بوصفها علمًا أكاديميًا ذا مصطلحات ونماذج ونظريات.
فالحياة اليومية، في جوهرها، حقل تطبيقي غني بالممارسات الإدارية، ويُعد المنزل – وبالأخص المطبخ – نموذجًا مصغرًا لمنظمة متكاملة الأركان… ففيه تبدأ أولى صور إدارة المخزون من خلال تنظيم المواد الغذائية، وضبط حدود الكفاية، وتحديد توقيت إعادة التزوّد. ويقود ذلك بطبيعة الحال إلى ممارسة إدارة المشتريات عبر إعداد قوائم الاحتياجات، والمفاضلة بين البدائل، والبحث عن العروض المناسبة.
كما يعكس اختيار المورد الأنسب ومكان الشراء الأقرب مفهوم إدارة سلسلة التوريد، في حين يجسّد الاعتماد على تطبيقات التوصيل أو جلب الاحتياجات من أماكن بعيدة ممارسات الإدارة اللوجستية.
وفي السياق ذاته، فإن الاستعداد لانقطاع مفاجئ في الغاز أو استقبال ضيوف غير متوقعين يُعد تطبيقًا عمليًا لـ «إدارة المخاطر».
أما ترتيب الأواني والأجهزة المنزلية فيمثل صورة واضحة لـ «إدارة الأصول»، حيث تُحفظ الموارد وتُستخدم بكفاءة تضمن إطالة عمرها وتحقيق أقصى استفادة منها، ويُجسّد الاستخدام الواعي للغاز والكهرباء مفهوم إدارة العمليات التشغيلية، بينما تندرج ممارسات النظافة والالتزام بإجراءات السلامة أثناء الطهي ضمن إدارة الصحة والسلامة والحماية.
ومن زاوية أخرى، فإن معرفة أذواق أفراد الأسرة واحتياجاتهم الصحية، وما يفضله كل فرد أو يتحسس منه، تمثل شكلًا من أشكال دراسة السوق وإدارة المبيعات. ويُعد اختلاف الطلبات وتباين الرغبات نموذجًا مصغرًا لـ إدارة أصحاب المصلحة، في حين يعكس تذوق الطعام قبل تقديمه ممارسات مراقبة الأداء وإدارة الجودة.
وتبرز الإدارة المالية بوضوح عند اتخاذ قرار بتقليل تناول الطعام خارج المنزل، بينما تمثل تجربة وصفات جديدة بدافع التطوير أو كسر الروتين جانبًا من البحث والتطوير، كما يجسّد توزيع الأدوار داخل المطبخ مفهوم إدارة الموارد البشرية، في حين يندرج تحديد الكميات المناسبة للطهي ضمن إدارة الهدر وترشيد الموارد.
ولا تتوقف الممارسات الإدارية عند هذا الحد، فمشاركة الطعام مع الآخرين تعكس ممارسات التسويق، والالتزام بتوقيت الوجبات يُجسّد إدارة الوقت، وتباين الآراء حول الطعم على المائدة يحاكي إدارة خدمة العملاء، بينما تعكس العزائم والولائم مفهوم إدارة العلاقات العامة بصورة واضحة.
وتمتد مفاهيم إدارة الأعمال إلى ما هو أبعد من المطبخ لتشمل نمط الحياة اليومية بأكمله. فالنوم المبكر يمثل إدارة فعّالة للطاقة والموارد البشرية على المستوى الشخصي، لما له من دور في رفع الجاهزية وتحسين الإنتاجية وتقليل الهدر الصحي والذهني، كما يُجسّد الاستيقاظ لصلاة الفجر نموذجًا متقدمًا لـلانضباط المؤسسي وترتيب الأولويات ضمن إطار قيمي واضح، وهو ما يشكّل أحد أسس الحوكمة الرشيدة في المنظمات.
أما الذهاب إلى المدرسة أو العمل فيعكس التخطيط اليومي، والالتزام بالجداول الزمنية، وإدارة الحضور والانصراف، وهي عناصر محورية في إدارة الأداء ورفع الكفاءة التشغيلية. في حين أن الجلوس مع العائلة وتناول الوجبات جماعيًا يُحاكي اجتماعات فرق العمل، ويعزز التواصل الداخلي، ويقوّي العلاقات التنظيمية، بما يسهم في رفع مستوى الرضا والاستقرار النفسي. وتأتي النزهة والخروج مع العائلة بوصفها ممارسة واعية لـإدارة التوازن بين العمل والحياة، وإدارة الضغوط، وتجديد الدافعية، وهي ممارسات تؤكدها الأدبيات الإدارية الحديثة لما لها من أثر مباشر في استدامة الأداء وجودة المخرجات.
*ما سبق هو صورة متكاملة للإدارة بوصفها ممارسة حياتية قبل أن تكون علمًا نظريًا*.
فالإدارة لا تبدأ من قاعات الاجتماعات ولا تنتهي عند التقارير والخطط الإستراتيجية، بل تنشأ أولًا في تفاصيل الحياة اليومية. ومن يُحسن إدارة وقته، وطاقته، وصحته، وأسرته، وعلاقاته، يكون أكثر قدرة على إدارة مؤسسة، وقيادة فريق، واتخاذ قرارات رشيدة في بيئة العمل.
وعليه، فإن فهم الإدارة في بعدها الحياتي يمثل مدخلًا أصيلًا لإتقانها في بعدها المهني والمؤسسي.