اتفق وفد خليفة المكلف من المرشد العام محمد حامد أبو النصر على الالتقاء في عمّان تمهيدًا للتوجه إلى السعودية، ثم العراق، فإيران، بهدف المساهمة بجهد شعبي في معالجة الأزمة القائمة، وإيجاد حل سلمي يرتضيه أطراف النزاع، وقد قيل ضمن ما قيل إن صاحب هذا المقترح أحد القيادات التاريخية لإخوان السعودية من السعوديين.
وبحسب الرواية الإخوانية، توجه في 12 سبتمبر 1990، إلى مطار القاهرة الدولي محمد حامد أبو النصر المرشد العام، ومصطفى مشهور نائبه، ومحمد المأمون الهضيبي، ولكن رجال الشرطة منعوهم من دخول مبنى المطار بسبب وجود أمر بمنعهم جميعًا من المغادرة، وأصدر «أبو النصر» بيانًا بهذه الواقعة في اليوم التالي.
وفي بيان أصدرته الجماعة بعد بدء الجولة بشهرين، في 10 نوفمبر 1990، ذكر فيه: (وإزاء هذه النازلة التي حلت بنا جميعًا، رأى الإخوان، وبعض الجماعات الإسلامية على الساحة، ضرورة السعي لدى أطراف النزاع لمحاولة الحيلولة دون نشوب الحرب التي لا يعلم مدى ما تجره من دمار إلا الله، وقد تم تشكيل وفد إسلامي من الإخوان وهذه الجماعات ليقوموا بهذه المهمة، برئاسة المرشد العام للإخوان المسلمين، ولكن للأسف الشديد منع وفد مصر من السفر، وأناب المرشد العام الأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة نائب المرشد العام، والمراقب العام للإخوان المسلمين بالأردن؛ ليقوم برئاسة الوفد نيابة عنه، وقد مارس الوفد مهمته بعد انضمام بعض الأعضاء إليه، فقابل جلالة الملك حسين ملك الأردن، واستمع إليه ووعى ما عنده، ثم سافر إلى المملكة العربية السعودية وقابل خـادم الحـرمين الشـريفين الملك فهـد بن عبد العزيز، ووزير الداخلية، وبعض العلماء، وكذلك التقى ببعض رجالات الكويت، ثم ذهب الوفد إلى العراق حيث التقى بالرئيس العراقي صدام حسين، وغادر بعد ذلك إلى إيران حيث التقى بالقائد علي خامنئي، والرئيس رافسنجاني، ثم عاد الوفد إلى الأردن وأصدر بيانًا عن هذه الجولة، وقد حرص الأخ الأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة رئيس الوفد بالنيابة على أن يؤدى الدور المنوط به من غير تجاوز له فجزاه الله خير الجزاء، وإذا كانت قد أثيرت ملاحظات حول تصريحات فردية صدرت من بعض أعضاء الوفد، فإنها لا تمثل إلا رأى أصحابها إذا كانت صحيحة ولم تتعرض للتحريف…إلخ).
وتذكر بعض المراجع الإخوانية: «أن موقف الإخوان في كل مكان واضح، ورافض لغزو العراق للكويت، غير أنه ألقي الضوء على موقف الترابي، واعتبروه موقف الإخوان، ولا ندري كيف يعبر الترابي عن موقف الإخوان وهو ليس منهم منذ أواخر الستينيات وله جماعته الخاصة وفكره ومنهجه؟!»، لعلك تلاحظ هنا أن الجماعة ضحت بعلاقة الترابي بها، ووضع كبش فداء تلقى عليه المسؤولية واللوم، تكرر في تاريخ الجماعة مرات عديدة، وهذا الأمر بدأ مع حسن البنا نفسه، وكلنا يعرف مقولته الشهيرة: «ليسوا إخوانًا، وليسوا مسلمين»، والتي عنون بها بيانه بعد محاولة نسف محكمة استئناف القاهرة في يناير 1949، فمسألة توريط الترابي، وأنه انفرد بتأييد صدام، ما هي إلا لعبة تجيدها الجماعة الإرهابية، كما لا يجيدها غيرها، ففرد ينفي، وآخر يثبت، بانتظار ردة الفعل، والرأي العام، وتكوّن سياق الأحداث ومساراتها، ثم بناءً عليه يتم اعتماد ما كان من التصريحين أقرب للمصلحة، وينسخ ذلك الذي لم يأتِ على مسار مصالح الجماعة البراجماتية، وما كان توريط الترابي إلا نتيجة مجافاته الجماعة؛ لمطالبته أن يكون الإرشاد العام في غير يد المصريين، كما حدث مع السوري عصام العطار في أواخر الستينيات، والذي ورطوه مع تنظيمه، وأشغلوه في مشاكل لا حصر لها لسنوات، حتى فصل من الجماعة.
غير أن ما يكذب هذا الهراء والتنصل من جريمة تأييد صدام، هو موقف الوفود الأخرى الإخوانية، وفد محمد مورو، ووفد محفوظ نحناح، ووفد التنظيم الدولي الذي قاده يوسف ندا، وأيضًا ما جاء في الصحف الأردنية والعراقية، وصحف الإخوان أو المؤيدة لهم في مصر، والتي أكدت أن الأمر لم يكن معارضة ضرب العراق بيد جيوش غير مسلمة، بل كان في صميم تأييد صدام في فعلته، وحينما رأت الجماعة شراسة الهجوم عليها، خففت لهجتها ببيان المرشد العام بعد شهرين من انتهاء أعمال الوفد، وبصيغة التشكيك في ثبات النقل، ولم تجد بدًا من إلصاق الأمر بالترابي.
الأهم على الإطلاق، هو ما كان يفاوض عليه يوسف ندا صدامًا، ومعه الكويتي -عاشق لصدام- والذي كان يطلق عليه لقب «فحل العرب» كما ذكر ذلك القرضاوي في مذكراته، واللذين كانا مع ثالثهما يفاوضون صدام حسين على تولية إخوان الكويت حكم الكويت، والقصة تبدأ حينما نسق «ندا» في وقت سابق مع كل من إيران وماليزيا وإندونيسيا لتدخل جيوشها بقيادة إيران، بعد انسحاب العراق، وفحوى كلام ندا في لقائه مع برنامج شاهد على العصر، أن هدف اللقاء هو الإثبات لصدام أن البديل عن جيش العراق الغازي، جيوش إسلامية تحقق هدف صدام من اجتياحه للكويت، وهي الحجة المبتذلة التي ذكرت في أول الغزو، من أن مجموعة من الثوار الكويتيين استنجدوا بصدام، لمناصرة ثورة داخلية على حكام الكويت، وقال «ندا»: (إنه كان علينا أن نحقق الشق الأول من الخطة، وهو خروج صدام من الكويت بأي شكل، والشق الثاني وهو عودة حكام الكويت إلى الحكم فيترك للشعب إن أراد إبقاءَه أو تغييره)، وهذا نص قوله، وهذا هو الجزء الأول من المخطط الإخواني، حيث كان على الضفة الأخرى من العالم، وفي أمريكا تحديدًا ينشط وفد من تنظيم الإخوان الكويتي، على رأسه طارق السويدان، في تحقيق الجزء الثاني والأخير، ولهذا حديث قادم.