خلق الله الأم لتكون مصدر الطمأنينة ومأوى الرحمة ومهد الأخلاق. وليس أدل على ذلك من قول الله تعالى: «وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا»، وتخصيص الأم بمزيد من التقدير في قوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم عندما سئل: «من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك». هذا التكرار النبوي ليس عبثًا، بل تعبير عن مركزية الأم في التربية والرعاية والتوجيه.
مرّ على المجتمع العربي والسعودي تحديدًا عصور كانت فيها الأم المربية هي المدرسة الأولى بحق، تغرس القيم وتعلم أبناءها الصبر والكرم والإيثار، وتنسج لهم شخصيات متزنة قبل أن تتعدد الوسائل المشاركة في تربية الأبناء من الشاشات التلفزيونية أو الأجهزة الذكية.
لقد كانت المرأة تبقى في بيتها ليس ضعفًا ولا قيدًا، بل قناعة بأن أعظم استثمار لها، هو في تربية الأبناء وبناء الإنسان. فكم من أمٍّ خرج من تحت يديها علماء وقادة ومربون حملوا اسم الوطن عاليًا، لأن أمّهاتهم أدركن أن التربية رسالة لا وظيفة.
ومع التطور المتسارع والانفتاح الكبير وتمكين المرأة في شتى المجالات، وهو تمكين محمود حين يكون في موضعه الصحيح، ظهرت فئة من النساء يرين أن البقاء في البيت انتقاص من الذات، متناسيات أن البيت ميدان عظيم من ميادين العمل الوطني. فالأم التي تربي وتغرس وتتابع وتوجّه هي في الحقيقة تقوم بعمل أعظم من كل المناصب، لأنها تصنع الإنسان ذاته الذي سيشغل تلك المناصب.
المجتمع اليوم بأمسّ الحاجة إلى إعادة التوازن بين مفهومي «التمكين» و«الرسالة». فليس التمكين أن تخرج المرأة لمجرد الخروج، بل أن تؤدي رسالتها حيث كانت – في بيتها، أو مدرستها، أو موقع عملها – بروح المسؤولية، ووعي الأثر، وإدراك عظمة الأمانة.
وإنّ من المؤسف أن نرى بعض الأسر تتفكك لأن الأم انشغلت عن أبنائها بالسعي وراء حياة مظهرية أو عمل لا تضيف فيه قيمة حقيقية، فينشأ الجيل ضعيف الانتماء، مضطرب القيم، بعيدًا عن روح الأسرة التي تُعدّ الحضن الأول للتربية والهوية.
الأم مدرسة إذا أعددتها … أعددت شعبًا طيب الأعراق
وهذه ليست مبالغة أدبية، بل حقيقة اجتماعية. فكل إصلاح يبدأ من البيت، وكل بيت تنهضه أم واعية مخلصة.
إنّ الأم المربية الصابرة التي تبقى قريبة من أبنائها، تصغي لهم وتتابع تفاصيلهم، هي التي تحفظ المجتمع من الانهيار الأخلاقي والفكري، مهما تعاظمت المؤثرات من حولهم.
وليس معنى ذلك أن المرأة لا تعمل أو لا تشارك في بناء الوطن، بل إنّ المشاركة الحقيقية تبدأ من إدراكها لدورها الأساس، وأن نجاحها خارج البيت لا يجب أن يكون على حساب تربية أبنائها. فالعمل شرف، والتعليم نور، لكن الأسرة هي النواة، وإذا ضعفت النواة تفككت المنظومة كلها.
من المؤسف أن تُقاس قيمة الأم في عصرنا بعدد إنجازاتها المادية أو مناصبها، بينما أعظم إنجاز يمكن أن تُفاخر به هو أن تخرج أبناء صالحين نافعين لدينهم ووطنهم. وإن الأم التي تُحسن غرس القيم في قلوب أبنائها تبني مستقبل وطنٍ بأكمله، دون أن تُرفع لها شعارات أو تُمنح أوسمة.
ولذلك فإن تمجيد الأم المربية، وتقدير من اختارت أن تبقى في بيتها لتقوم بمسؤوليتها التربوية، هو اعتراف بعمق رسالتها وليس تهميشًا لها. فكل أمٍّ صبرت وسهرت وتابعت الدروس، وكل أمٍّ غرست القيم وأسهمت في بناء شخصية أبنائها، تستحق أن تُذكر في مصافّ العظماء.
وسيبقى أعظم دور تؤديه المرأة هو أن تكون أمًا تربي وتغرس وتصنع الإنسان، لأن الأمم تُبنى على أيدي الأمهات قبل أن تُبنى بالحجارة والمصانع والطرقات. وإن الحفاظ على هوية المجتمع وقيمه الأخلاقية يبدأ من بيت تُضيئه أمٌّ واعية تؤمن بأن التربية رسالة العمر، وأن صلاح الأبناء هو أغلى وسام على صدرها.
رحم الله أمهاتنا أحياءهم وأمواتهم وجزاهم الله عنا خير الجزاء.