لكن الزمن تغيّر، وتغيرت معه صورة المرسول. ففي عصر التقنية، لم يعد المرسول شخصاً يُنتقى بعناية من أهل الثقة، بل أصبح تطبيقاً على الهاتف يختصر المسافات ويجعل الحصول على الحاجات اليومية أقرب ما يكون إلى ضغطة إصبع. بضغطة واحدة يمكن طلب الطعام، أو شراء حاجات المنزل، أو إرسال هدية أو باقة ورد، أو حتى إنجاز خدمات بسيطة كانت في الماضي تتطلب وقتاً وجهداً وتنسيقاً.
هذه الثورة التقنية جاءت في الأصل لتسهيل الحياة وتخفيف الأعباء، ولجعل تجربة العميل أكثر راحة ومرونة. غير أن ما يحدث في كثير من الأحيان يشي بعكس ذلك. فكثير من مستخدمي تطبيقات التوصيل يواجهون سيلاً من الاتصالات والرسائل من موظفي التوصيل؛ أسئلة متكررة عن الموقع، واستفسارات عن مواقف السيارات، ومحاولات متكررة لتحديد وقت الوصول بدقة شديدة، وأحياناً اتصالات في أوقات غير مناسبة. وقد تتكرر المكالمات والرسائل عبر الهاتف أو تطبيقات التواصل إلى حد يصبح معه طلب الخدمة مصدر إزعاج لا وسيلة راحة.
وإذا كان هذا الأمر يسبب الضيق في الطلبات اليومية العادية، فإنه يصبح أكثر إرباكاً في حالات أخرى، مثل توصيل الهدايا والورود. فالهدف من إرسال وردة أو هدية هو إحداث لحظة جميلة أو لفتة لطيفة قد تصل إلى شخص مريض أو منشغل أو يمر بظرف خاص. لكن تكرار الاتصالات والرسائل للتأكد من الموقع أو ترتيب التسليم قد يسبق الهدية نفسها ويبدد عنصر المفاجأة، بل وقد يزعج المرسل إليه ويحرجه، فيتحول الفعل الجميل إلى تجربة مثقلة بالتفاصيل.
وهنا يبدو أن المثل القديم قد انعكست معانيه في زماننا. فبعد أن كان المثل يقول: «ارسل مرسولاً ولا توصِه» ثقةً بفطنته وقدرته على التصرف، أصبح الواقع اليوم يدعونا إلى وصية جديدة. ففي زمن التطبيقات، قد نحتاج أن نقول: ارسل مرسولاً… وأوصِه بالرفق بالعميل، وأن ينجز مهمته بهدوء ولباقة، وبأقل قدر من الاتصالات والأسئلة.
فالتقنية لا تحقق قيمتها الحقيقية إلا إذا صاحبتها ثقافة خدمة راقية تقوم على احترام الوقت، وفهم خصوصية العميل، والاعتماد على الأدوات التقنية المتاحة بدلاً من إلقاء عبء التفاصيل على طالب الخدمة. فالغرض من هذه الخدمات هو تسهيل الحياة، لا تحويلها إلى سلسلة من المكالمات والتنبيهات.
ولعل الحكمة القديمة ما زالت صالحة في جوهرها: المسألة ليست في وجود المرسول، بل في كفاءته وحسن تصرفه. لكن في زمننا هذا، قد نحتاج أن نضيف وصية صغيرة:
ارسل مرسولاً… وأوصِه بالرفق بالناس.