كثيرا ما يتفرع التقسيم السياسي الأساسي إلى تقسيمات فرعية. ففي البلاد التي تزداد فيها حدة الروح الفردية، كإيطاليا وفرنسا، نجد درجات عدة: اليمين المتطرف، ثم اليمين، ثم يمين الوسط، ثم الوسط نفسه، ثم يسار الوسط، ثم اليسار فقط، ثم اليسار المتطرف.. سبعة ألوان أو سبع درجات لونية متجاورة، مثل قوس قزح!
ومن يتابع أخبار دولة تتغير الحكومات فيها كثيرا، مثل فرنسا قبل ديجول أو إيطاليا حاليا، يجد أن الحزب الديمقراطي المسيحي مثلا يحكم إيطاليا دون انقطاع منذ الحرب العالمية الثانية، وهو حزب وسط. لكن الوزارات تسقط، وتقوم أيضا دون انقطاع. فقط يتغير أشخاص من الحزب نفسه، فيقال إن هذه حكومة «يمين الوسط»، وتلك حكومة «يسار الوسط».. إلى آخره.
وبينما نجد «تنج هيساو بنج» يحاكم أرملة ماوتسي تونج بتهمة «التطرف اليساري»، فإن «تنج هسياو بنج» نفسه لا يمكن أن يعتبر في أي بلد آخر إلا أنه «متطرف يساري». وليس معنى ذلك أنه لا توجد – بوجه عام – علامات مشتركة مميزة لكل ما يسمى «يسارا»، وعلامات أخرى مشتركة مميزة لكل ما يسمى «يمينا»، إنما لا بد أن نسجل أكثر من حقيقة أساسية، سوف ينازعنا فيها أهل اليمين وأهل اليسار جميعا.
هذه الحقيقة هي أن القوالب المذهبية المحددة قد تمزقت، إلى حد بعيد، بحكم تطور الحياة والظروف تطورات لم تكن مرئية ولا محسوبة عند الذين وضعوا هذه القوالب منذ أكثر من قرن، فصارت لدينا عشرات الأشكال والأنواع والاجتهادات في كل يسار وكل يمين.
الحقيقة الثانية: إن النظريات الأيديولوجية قد نزلت عن عرشها في العقدين الأخيرين إلى حد بعيد. فبعد أن كان – في مرحلة ما – الحرص على سلامة التطبيق النظري الأيديولوجي هو الهم الأول للسلطة، صار التجاوب مع الواقع العملي هو الهم الأول للسلطة، ويأتي تبرير ذلك نظريا في المقام الثاني.
وها نحن نرى أنه إذا كان القرن التاسع عشر ونصف القرن العشرين الأول هو عصر حروب وصراعات الدول الرأسمالية، فإن النصف الثاني للقرن العشرين تكاد تغلب عليه حروب وصراعات المعسكر الاشتراكي (الصين وروسيا – روسيا وتشيكوسلوفاكيا – روسيا وبولندا – الصين وفيتنام – فيتنام وكمبوديا – يوغسلافيا محايدة بين الجميع – ألبانيا عنيفة ضد الجميع!).
الحقيقة الثالثة: إن النظم اليسارية أو اليمينية، على السواء، تلاقحت في التطبيق العملي، وحاولت كل منها أن تستفيد من بعض ملامح الأخرى، وربما هذا هو الذى أوجد أكثر من يمين وأكثر من يسار، فالأفكار الخاصة مثلا بالتأمين الاجتماعي أو ضد البطالة، وتدخل الدولة في الاقتصاد، أخذها اليمين من اليسار، ولم يكن رجل مثل «آدم سميث»، الأسكتلندي أبو علم الاقتصاد والنظريات الرأسمالية، ليتصورها أو تخطر له على بال.
كذلك، فإن أكثر التطبيقات يسارية لم تجد مفرا في التطبيق من أن تعود إلى الاعتراف ببعض «قوانين السوق» التي هي أساس الفكر الاقتصادي اليميني، مع استحالة «تخطيط» كل شيء كما يدعو الفكر اليساري المتطرف كسماح الاتحاد السوفيتي – مثلا – لكل فلاح بأن يحتفظ في المزرعة الجماعية بقطعة أرض خاصة به، يستثمرها لحسابه وخارج أي تخطيط. ومنذ ذلك صارت هذه الأراضي الخاصة، على قلتها، أحد أكبر مصادر التموين الغذائي في روسيا، وبعض دول شرق أوروبا تسمح بملكية فردية أوسع في الأراضي الزراعية اعترافا بفاعلية «الحافز المادي» في نشاط الفرد وإنتاجيته. ولكن، على الرغم من هذه التداخلات، ونزول الأيديولوجيات عن عروشها المقدسة، وتعدد أنواع أشكال اليمين واليسار، ونسبية كل منهما، فإنه تبقى أفكار أساسية هي، حتى الآن، العلامات المميزة بين أهل اليمين وأهل اليسار.
1981*
* صحفي مصري «1927 – 1996»