ولهذا حين تحدّث، الدكتور عبدالله الغذامي، عن تجربته مع الأرق، لم يكن يصف عرضًا جسديًا بقدر ما كان يصف ظاهرة فكرية، كان يصف تلك المنطقة الغامضة التي يلتقي فيها الفكر بالإرهاق، والذكاء بالوجع.
الغذامي لا يعرف كيف «يتوقف»
هو من أولئك الذين يفكرون حتى في صمتهم، الذين يُديرون حوارًا داخليًا مع كل ما يمرّ أمامهم: كلمة، كتاب، تغريدة، فكرة عابرة.. وكل شيء عنده يستحق أن يُفكَّك ويُحلَّل ويُعاد تركيبه؛ ولهذا لا ينام، العقل عنده لا يقبل التقاعد، والراحة عنده نوع من الخيانة المعرفية.
يقول الأطباء: يحتاج الإنسان إلى ثماني ساعات نوم ليستعيد طاقته، لكن ماذا عمن يستيقظ عقله كلما أغمض عينيه؟!.
الغذامي لا يحلم كما نحلم، لأن الأحلام عنده لا تُترَك لتتشكّل بحرّيتها، حتى الحلم يخضع في ذهنه للمراجعة اللغوية والضبط المفاهيمي.
إنه يستيقظ من نومه حين يدرك أنه يحلم.. كأن الحلم عنده فكرة فاسدة يجب إيقافها في اللحظة المناسبة!؛ ولذلك يتعب.
يتعب لأن الحياة نفسها تحتاج إلى لحظة «خطأ»، إلى مساحة من اللاعقل كي تستقيم، لكن العقل الذي لا يعرف النوم لا يعرف التسليم أيضًا، فيبقى يقظًا كحارسٍ في ليلٍ لا ينتهي، يفتّش في العتمة عن سببٍ إضافي للسهر.
من الطبيعي أن يتعب المفكرون، لأنهم لا يملكون رفاهية الغفلة.. هم أشبه ببحارةٍ في بحرٍ دائم الحركة، لا يرون الشاطئ إلا وهم يبتعدون عنه.
يريدون تفسير كل موجة، وقياس كل نسمة، وحين يهدأ البحر يشتاقون لعاصفته.
أرق الغذامي إذن ليس عيبًا، بل سِمة، إنه الوعي حين يبلغ ذروته فيتحول إلى قلقٍ نبيل، إلى مراقبةٍ لا تنتهي، إلى يقظةٍ تُشبه الحراسة الفكرية للعالم.
العقل الذي علّم أجيالًا كيف تفكر، لا يمكنه أن ينام دون أن يطمئن أن الفكرة الأخيرة وصلت بأمان.
ومع ذلك.. يبقى في النفس شيء من الحنين إلى الحلم، ذلك الفضاء الطفولي الذي لا يسأل ولا يحاكم ولا يحلل، ربما لو عاد الغذامي طفلًا للحظة لنام كما ينام الصغار حين يصدقون أن الغد أجمل من اليوم، ولربما حينها فقط، سيسمح لعقله بأن يرتاح قليلًا، وليحدث ما يحدث بعد ذلك.. فالفكر لا يموت إذا نام، لكنه يتنفس حلمًا كان يستحقه منذ زمن طويل.