ويتلاقى على الفرع الجديد شعراء من كل صوب فسرب من ضفاف (دجلة) وسرب من مشارف (المهجر) يضاف إليهم شعراء ما برحوا زغب الحواصل. فلم يعتلوا الجو بعد، ولا تجاوبت الجهات بأصواتهم. بل تسمع لهم بين الفترة والفترة هتافات تجيء بها الريح وتذهب وإنك لتعجب حين تدري أن ذلك الفرع العربي الذي نبت – أو كأنهُ نبت – على جوانب (اللزوميات) لم يستقم ساقه في الماء، ولا خرج شطؤه على مادة الشجر، فهو غراس عجيب، طلع في (المعرة)، وأورق في (نيسابور). فكأنما نبت في (دهليز) أبي العلاء، ومال على (بساط) الخيام بالظل والزهر! فقل في ذلك الفرع الأعوج: غراس نسقيه الماء عربيًّا، فيخرج الزهر فارسيًّا. كإحدى الشجرات في حقلك، على الحد، همها عليك، وظلها على جارك…
وذلك الفرع لم يتبدَّل على الأزمنة. فهو منذ ما مدَّ الخيام بساطه إلى يومك الحاضر شيمة واحدة. فمقت للناس كما رأيت، وهزؤ بالحياة، وإطلاق النفس على الهوى، وتباعد عن المعترك حتى لتحسب أن الدنيا خلقت لواحد! فبينا أنت من يومك حيث تعجُّ الدنيا العريضة بالغادين على العيش، وتزحم المناكب المناكب، إذ الواحد من الجماعة يناديك من بعيد وهو في مثل كوة الصومعة. فتدهش لذلك المتخلف عن ركب الحياة، تسائل نفسك ما شأنه، وما تخلفه في آخر الخلائق، وما يصنع بعمره، ويُنتفع بهِ!!
فتجد صاحبنا قعيد الصومعة، محلول العزيمة. همُّه من الدنيا بساط عشب، وكأس خمر، وساعة من حبيب – وعلى كل شيء بعد ذلك العفاء!
ولعمرك كيف يتبدَّل (أدب الصومعة) هذا، ويمد ساقيه على بحبوحة، ومجاله أضيق من قيد الشبر !! فهو أشبه ما يكون بمخيلة (مانه) على قول (زولا ):
– (مانه) عصفور صغير، على غصن صغير، في ربيع عمره خمس دقائق…
وهكذا (أدب الصومعة) لفّ ودوران على غرض أيسر من ان يحسب في الهموم فلا غوص على النفس، ولا تطلع الى محجَّب من وجوه الحياة، ولا كدحٍ في صعيد الفكر وراء الحق والجمال. فإذا جاد حبيب بساعة، وامتلأت كأس براح، وأخضرَّ مطرح بعشب، قامت الدنيا في نظر الجماعة، واستراحوا حيث تتعب العقول!
ولقد أشرفت الدنيا على آخرها. و(أدب الصومع) في موضعه لا يتحوَّل. فلا مدّ إذنا بعد (الخيام)، ولا اطرح عينًا، ولا سرح إصبعًا، فالقصة أن شاعر الفرس بعد أن جاب فكره الأرض والسموات، وأوفى على الأمر، برَّح بهِ الكد، فأطلق في وجه الحياة رباعية حرى، عذره بها عذر الغمرة التي تغم النفس بعض الأحايين ثم تنجلي. فتعلق أولئك على الرباعية (السوداء). وحسبوا أن تلك النفثة غاية الرجل من الفلسفة، وجماع رأيه. ومعاذ (ابي الفتح) عمر، وهو نادرة فارس في الحكمة والطبيعيات والفقه والتكليف والتاريخ وعلوم النجوم أن يقصر العيش على هبوط الطبع، وانتكاس الذهن!
فأعجب لأدب مُسمّر عليه بتلك النفثة الفانية. تتحوّل العقائد، وتترامى الأغراض، وتنفسح شقة الفكر البشري، وهو المعلق في مكانه!
و(أدب الصومعة) أدب الحب والطبيعة، في زعم أهله. فإذا جئتهم تسأل لسانًا واحدًا يبحث الحب والطبيعة، كأن يذكر لك مثلاً علاقة الطبع بالحساسة، أو رابطة النفس بالطبيعة في شيمة من شيم الخلقة فإنك تطلب ريشة العنقاء!
فالجماعة كندامى (المجوس) يحتسون الخمر بالنظر، وينشقون الزهر بأطراف الأصابع!
إن الأدب الحق غير ذلك!
هذا (شكسبير) وهو نادرة الأزمان، تكاد العيون اليوم تتغامز على أوجه. ويكاد المتشددون يهمون بالقول إن «الشكسبيرية» على شفا. فسقوطها أقرب مما في الحسبان.
ذلك أن الأدب «المطنّب» الذي لا ينغمس في مع معان الحياة حتى الركبتين، أصبح مزلزل القدم في جيل «التبسط» من هذا !. وبوادر (الشعوبية ) الأدبية الجديدة ما ترى في الأدب الفرنسي مثلًا من تنكب عن الدرب، حتى ليستطيع أمس كاتب ناشئ «كلورين «ان يضحك على أنف «كورنايل» فيقول فيهِ «صنم الفضائل الأكمه»، ولا تقوم القيامة…
وكما يقال في الأدب يقال في الموسيقى، وفي التصوير، وفي التمثيل، وفي مختلف الفنون.
1933*
* أديب لبناني (1901-1976)