لم تعد العصامية اليوم كما كانت تُفهم في صورتها الكلاسيكية القديمة؛ ذلك المفهوم الذي كان يحتفي بالفرد الذي يبدأ من الصفر تمامًا، دون دعم أو موارد، ويصعد بجهده وحده إلى القمة، ويبدو اليوم أقرب إلى السرديات المثالية منه إلى الواقع الفعلي.فالعالم تغيّر، وتعقّدت معه طرق النجاح، وأصبح من الصعب الحديث عن إنسان «صنع نفسه بنفسه» بمعزلٍ كامل عن أي مؤثرات خارجية؛ لأن الحياة في الماضي كانت أقل تشابكًا، وكانت الفرص، رغم محدوديتها، أكثر وضوحًا وبساطة. كان بإمكان الفرد أن يتقن حرفة أو مهنة، ويتدرّج فيها حتى يحقق مكانة مستقرة. أما اليوم، فقد أصبح النجاح مرتبطًا بمنظومات متداخلة: تعليم، وتقنية، واقتصاد عالمي، وشبكات علاقات. لم يعد الطريق خطّيًا، بل مليئًا بالتحديات والتحولات، مما يجعل فكرة الاعتماد الكامل على الذات أمرًا غير واقعي.فالعصامية الكلاسيكية تفترض أن الفرد يبدأ من «لا شيء»، لكن الحقيقة أن «اللا شيء» لم يعد موجودًا بالمعنى المطلق؛ حتى من يظن أنه بدأ وحده، فهو في الواقع يستفيد من بنية قائمة: محتوى معرفي متاح عبر الإنترنت، وأدوات تقنية، وتجارب سابقة لآخرين، أو حتى بيئة اجتماعية معينة. كل هذه العوامل تشكّل جزءًا من رحلة النجاح، سواء اعترف بها الفرد أم لا.إضافة إلى ذلك، لم يعد الجهد وحده كافيًا لضمان النجاح؛ فهناك عوامل أخرى تلعب دورًا مهمًا، مثل التوقيت، والفرص، والحظ أحيانًا. قد يعمل شخصان بالقدر نفسه من الاجتهاد، لكن أحدهما ينجح لأنه وجد الفرصة المناسبة في الوقت المناسب، بينما لا يحالف الحظ الآخر. هذا لا يقلل من قيمة العمل الجاد، لكنه يضعه في سياق أكثر واقعية.ومع ذلك، لا يعني هذا أن العصامية اختفت، بل إنها تغيّرت في معناها؛ فالعصامي اليوم هو من يعرف كيف يستفيد من الموارد المتاحة، ويطوّر نفسه باستمرار، ويبني علاقات تساعده على التقدم. لم يعد النجاح انعزالًا، بل تفاعلًا ذكيًا مع العالم. إنه نتاج القدرة على التعلّم، والتكيّف، واتخاذ القرارات في بيئة متغيرة.في ظل صعوبة الحياة اليوم، من ارتفاع التكاليف إلى شدة المنافسة، قد يبدو تحقيق النجاح أكثر تعقيدًا. لكن، في المقابل، هناك فرص غير مسبوقة: فالتعلّم متاح للجميع، والعمل لم يعد مقيّدًا بمكان، والمشروعات يمكن أن تبدأ بإمكانات بسيطة. التحدي الحقيقي لم يعد في غياب الفرص، بل في القدرة على استغلالها بوعي.فيمكن القول إن العصامية بصورتها الكلاسيكية لم تعد موجودة كما كانت، لكنها لم تختفِ تمامًا؛ لقد تحوّلت إلى مفهوم أكثر واقعية، يقوم على بناء الذات داخل شبكة من الإمكانات، لا خارجها. وهذا هو جوهر العصامية في عصرنا الحديث.
Source link