هذا تحديدًا ما شعرت به – شعور المجازفة الخلاب – بعدما انتهيت بالتوالي من قراءة رواية «كل أزرق السماء» لميليسا دي كوستا لعدة أيام، ثم بدأت بَعدها مباشرة برواية «الرجل الذي كان يحب الكلاب» لليوناردو دو بادورا.
كلتا الروايتين يزيد عدد صفحاتها عن 700 صفحة، ورغم اختلاف موضوعهما التام، إلا أنهما – من وجهة نظري – تقاطعتا معًا في جوانب عدة، كان أهمها المستوى الإنساني لما تتركانه من فيض مشاعر أثناء وبعد الانتهاء منهما.
رواية «كل أزرق السماء» تحكي عن قصة فردية لشاب في أواخر العشرينيات، «إميل»، يكتشف إصابته بمرض نادر يُسرّع قرب الموت منه على شكل نسيان الحياة (ألزهايمر مبكر). فيقرر ألا يخضع لقوانين المرض والاستشفاء وانتظار الموت المعتادة، بل مخاتلته عبر الترحال غريبًا، ويصطحب معه في هذا الترحال «جوانا» غريبة هاربة هي الأخرى من ذكرى ابنها المُصاب بالتوحد وصعوبة العالم في فهمه والتعامل معه، والموت الذي نهش قلب أمومتها لاحقًا، لتكون بصورة ما أمًا لهذا الفتى المريض في رحلة الموت الأخيرة، وتنسى القسوة والموت بموت آخر.
بينما رواية «الرجل الذي كان يحب الكلاب» كانت بأبطالها الثلاثة الذين تستعرضهم كـثلاث قصص منفصلة تلتقي كلها في الموت؛ فمنه تنطلق وحوله تدور وبه تنتهي. بل تكاد حياة «رامون ميركادير» – أو «جاك مورنارد» أو أيًا كانت الأسماء التي تنقلت بها هذه الشخصية الأولى في الرواية – تدور حول تكريسها لانتزاع حياة غريم لا يعرفه، غريم صنعته الأيديولوجيا والسياسة والعطش للسيادة بالحروب. وكيف تداعى هذا التكريس على حياته وعلى حياة الكاتب المحبط «إيبان» – الشخصية الثانية – الذي يروي له قصته ليتخلص من عذاباتها. تداعٍ كان أساسه الشخصية الثالثة: الغريم «ليف دافيدوفيتش تروتسكي» الذي تدور حياته في الرواية حول محاولاته الهرب من الموت من منفى إلى منفى حتى يُحكم عليه قبضته أخيرًا على يد «رامون» المستعد للتضحية في سبيل العقيدة التي آمن بها – أو أُجبر على الإيمان بها.
«إميل» و«جوانا» في رواية «كل أزرق السماء» قد يكونان أي أحد في هذه الحياة، قديمًا أو الآن أو في المستقبل – من ناحية التجربة والشعور بالطبع. فهما اثنان يعيشان حياة عادية – وأغلبنا عاديّ – نكبر وسط أُسر لها طبيعتها المُحبة أو القاسية أو التي تتراوح بينهما، وينطبع ذلك على شخصياتنا وسيرورة حياتنا. نعيش فترات مفعمة بالمشاعر أثناء المراهقة والشباب، ونخوض مراحل نضج تنحت ذكرياتنا فيها التجارب والأحداث التي تتكرر في حياة الجميع – الدراسة، العمل، الزواج، الطلاق، الأمومة، الأبناء، الصحة. ثم يأتي منعطف واحد يهز أحد هذه الأحداث، ويهز معه كامل المنظومة التي اعتدنا العيش فيها، فتتغير معه حياتنا برمتها، وتعيد تشكيل مشاعر كثيرة كنا قد اطمأننا لها مسبقًا، ونكون بين شجاعة مواجهة هذا الشكل الجديد للحياة، أو تجاهله والانسياق معه.
الهرب الذي قرره «إميل» كان شجاعة من منظوره الخاص، شجاعة الإرادة الحرة التي تفهمتها «جوانا» وسايرته فيها بمهارة حتى آخر يوم كان فيه ينبض حياة، لتحين اللحظة التي تميل فيها لتجربتها الخاصة عندما بدأت تذبل إرادته، وتجعلها ختامًا للهرب من الموت الذي بدأه «إميل».
بطلا هذه الرواية «إميل وجوانا» وإن لم يكونا شخصيات موجودة في الواقع، إلا أننا نستطيع أن نتلبسهما، نشعر بآلامهما، ننتشي مع مغامراتهما، نبتسم لمخاوفهما ونحاول أن نجد لها معهما مخرجًا. نشعر بأننا ذلك الأب القلق، أو تلك الأم الحامية، أو ذلك المحب المتخاذل، أو تلك الأخت المراعية. نشعر بأننا كل تلك الشخصيات أو بعضها؛ لأنها لامست شعورًا حقيقيًا لدى الإنسان الواقعي. وهذا سر سحر وجمال هذه الرواية أنها من ذلك النوع الذي يلمس قلبك وتشعر معه أن هناك أشخاصًا – مثلك – في هذه الحياة يُبكيهم الفقد، ويسعدهم الحب، ويجرحهم البعد، وتخذلهم الصحة، ويصفعهم الموت، وإن كانوا أمامك الآن مجرد خيال، شخوص من ورق… وللحديث صلة…