أنا كفيفة، نعم. وهذه ليست مفاجأة. لكن ما يُفاجئ الآخرين عادة هو أنني أقف بثبات، أشرح بسلاسة، أتعامل مع المنصات التعليمية، وأدير قاعة دراسية كما يفعل أي زميل وزميلة – وربما أكثر. فحين يغيب البصر، تحضر البصيرة. وحين تعجز العيون، تتكلم الأدوات الذكية.
أدير محاضراتي اعتمادًا على تقنية قارئات الشاشة، أتنقّل بين ملفات وشرائح وعروض تقديمية، أستمع إلى كل شيء يُعرض على الشاشة بلغة رقمية بحتة، وأحلّل مشاركات الطالبات عبر برامج ذكاء اصطناعي صمّمت لتكون بديلًا محترفًا للعين. التقنية هنا ليست مجاملة، بل ضرورة، وشريك فعّال في المعادلة التعليمية.
المفارقة أن كثيرين يظنون أن من لا يرى، لا يستطيع أن يدرّس. وكأن التعليم عملية بصرية فقط، متناسين أن أول من علّم البشرية لم يكن يقرأ ولا يكتب. التعليم الحقيقي لا يحتاج عينًا تُبصر بقدر ما يحتاج روحًا تُلهم.
ما أحاول أن أفعله في كل محاضرة لا يقتصر على إيصال المادة العلمية، بل يمتد لإعادة تعريف مفهوم “الإعاقة” داخل البيئة الجامعية. لست بحاجة إلى نظرات شفقة ولا إلى تصفيق مفرط، بل إلى فهم عادل، ومساحة كافية لأمارس دوري كأكاديمية كاملة الصلاحية والكفاءة.
أدهشني تعليق إحدى الطالبات في نهاية الفصل الدراسي، كتبت تقول: “دكتورتنا لا ترانا، لكنها ترى ما لا نراه في أنفسنا.”
حين قرأت تلك الجملة – بصوت اصطناعي على شاشة ناطقة – شعرت أنني نجحت في أكثر من شرح درس. لقد غيّرت فكرة.
أنا لا أطلب أن نحتفي بذوي الإعاقة حين ينجحون، بل أن نكف عن اعتبار نجاحهم استثناءً. لست معجزة تمشي على الأرض، بل امرأة تعمل وتجتهد وتؤمن أن التعليم لا يُقاس بدرجة الرؤية، بل بدرجة الأثر.
في زمن الرقمنة والانفتاح التقني، بات من المحزن أن بعض الجامعات لا تزال تُهيئ المرافق للزينة أكثر من تهيئتها للاستخدام الشامل. الإتاحة الرقمية ليست رفاهية، بل التزام. التهيئة ليست إجراء شكليًا، بل معيار جودة.
رسالتي في هذا المقال ليست شخصية. بل دعوة لكل مؤسسة تعليمية أن تراجع نفسها: هل هي تحتضن التنوّع؟ هل تُتيح الفرص للجميع؟ وهل تؤمن فعلًا أن من يرى بعينيه فقط… قد لا يرى شيئًا؟