الأم المدبّرة لا تجلس على كرسي الرئاسة، ولا تمضي بيدها القرارات الكبرى، لكنها في الواقع تمسك بخيط غير مرئي يصل بين الواقع المعاش وقرارات رب الأسرة. هي تعرف الخزانة حين تخلو، وتعرف الفاتورة حين تتأخر، وتعرف الطفل حين يحتاج، وتعرف المنزل حين يئن. معرفتها هذه ليست ترفاً ذهنياً، بل وقود اتخاذ القرار اليومي.
فحين تكون معلوماتها دقيقة وصادقة، يصدر قرار رب الأسرة من مكان التبصّر والوعي، فيأتي موزوناً وملائماً. وحين تختل هذه المعلومات لإخفاء أو إهمال أو قصور يصدر القرار من مكان الوهم، فيضرب في الهواء ويُنتج ما لا يُتوقع.
هذه الصورة البسيطة من داخل البيت ليست استعارة شعرية نستأنس بها ثم نتجاوزها. إنها في حقيقتها نموذج مصغّر يعيد إنتاج نفسه بالضبط في الشركات والمنظمات والوزارات والدول، بل في كل بنيان بشري يحتاج إلى أن يقرر.
من البيت إلى المنظمة: اتساع المشهد
إذا أخذنا هذه الصورة وكبّرناها، وجدنا أن في كل مؤسسة صغيرة كانت أماً عملاقة أشخاصاً أو وحدات مهمتها الجوهرية واحدة: أن تُقدّم للقيادة صورة صادقة عن الواقع. هم المحاسبون الذين يُعدّون الميزانيات، والمحللون الذين يُقيّمون الأسواق، والفِرق الميدانية التي ترفع تقاريرها عن أحوال العملاء، والجهات الإحصائية التي تغذّي الحكومات بالأرقام التي تبني عليها سياساتها.
هؤلاء جميعاً هم ربة البيت في النموذج الكبير. إنهم الوسيط بين الواقع الخام والقرار المصاغ. وكما أن ربة البيت لا تُصنع قيمتها من جلستها في المجلس، بل من صدق ما تنقله، فإن قيمة هؤلاء لا تكمن في مناصبهم ولا في عدد مرؤوسيهم، بل في درجة الصدق والدقة التي تتسم بها مخرجاتهم.
والقيادة من جانبها سواء أكانت مجلس إدارة أو وزيراً أو رئيساً تنفيذياً، تعيش شيئاً يشبه ما يعيشه رب الأسرة: فهي تملك صلاحية القرار دون أن تملك دائماً المعلومة الكافية لاتخاذه، فتمد يدها إلى من يُفترض أن يمدّوها بتلك المعلومة. وفي تلك اللحظة، تتحدد مآلات المؤسسة.
حين تختل الأرقام: الكارثة الصامتة
الكوارث الكبرى في عالم الشركات والحكومات نادراً ما تبدأ بقرار سيئ معلن. هي في الغالب تبدأ بمعلومة ناقصة، أو بيانات مُضخَّمة، أو تقرير جُمِّل لإرضاء من يتلقاه. الكارثة لا تدق باب المؤسسة مرة واحدة، بل تتسلل إليها في صمت عبر أرقام خاطئة تتراكم وقرارات مبنية على أوهام تتتابع، حتى يصحو الجميع يوماً على انهيار لم يُنذر به أحد أو أنذر به من لم يُستمع إليه.
تخيّل شركة تُقدّم لها تقارير مبيعاتها مُضخَّمة لأن المسؤول يخشى خيبة التوقعات. تستند القيادة إلى هذه الأرقام فتوسّع خطوط الإنتاج وتستأجر مستودعات وتُعيّن موظفين جُدداً. ثم يأتي يوم الحقيقة؛ الطلب الفعلي أقل بكثير مما صُوِّر، والمنتج يتكدس، والإيرادات لا تكفي التزامات بُنيت على أرقام كاذبة. المأزق الحقيقي لم يكن في قرار التوسع؛ قرار التوسع كان منطقياً تماماً في ضوء المعلومات المُقدَّمة. المأزق كان في المعلومة ذاتها.
وهذا النمط يتكرر في الحكومات حين تُبنى الميزانيات على توقعات إيرادات مُبالَغ فيها، وفي المستشفيات حين تُخفى بيانات الأمراض خشية الذعر الجماعي، وفي المؤسسات المالية حين تُصنَّف الأصول المعدومة بوصفها قائمة. في كل حالة، لم يكن صانع القرار غبياً، بل كان محاطاً بمرايا مُشوَّهة.
الكارثة الإستراتيجية لا تبدأ عادةً بقرار أحمق، بل تبدأ بمعلومة غير أمينة وصلت إلى يد صانع قرار أمين.
مسألة الأمانة: حين يكون الرقم سلاحاً
الرقم كالكلمة تماماً يمكن أن يكون أداة إضاءة أو أداة إخفاء. وما يجعل الأرقام أشد خطراً من الكلمات أنها تُوحي بالموضوعية وتُسكت المشككين بهيبة الإحصاء. فحين تقول: (أعتقد أن الوضع جيد) يمكن لأي أحد أن يعترض، لكن حين تقول: (نسبة النمو تسعة وثمانون بالمائة) ينسحب المعترضون إلى صمت مريب.
ولهذا السبب تحديداً، يتحمل من يقدم المعلومة وزناً أخلاقياً ليس أقل شأناً من الوزن الوظيفي. الأمانة في تقديم البيانات ليست قيمة جمالية تُزيّن السيرة الذاتية؛ هي الحارس الأول للمنظمة من الانحراف. لأن كل انحراف عن الحقيقة في مرحلة المعلومة يُنتج انحرافاً مُضاعَفاً في مرحلة القرار، ثم انحرافاً مُضاعَفاً مرة أخرى في مرحلة التنفيذ. الخطأ الصغير في الجذر يصبح كارثة في الثمرة.
والأخطر من التزوير المتعمد رغم فداحته هو الإهمال غير الواعي. حين يرفع الموظف تقريراً سطحياً لأنه يخشى الوقوع في غير الصواب، فيؤثر الغموض على الدقة. أو حين تُحذف بيانات سلبية من التقرير لأن مقدّمه يريد أن يُرضي رؤساءه لا أن يُخدم مؤسسته. في كلتا الحالتين، الأذى واحد: قيادة تقرر في الظلام بينما تظن أنها في النور.
ثقافة الصدق: حين يُعاقَب البريء
هناك ظاهرة موثوقة في المنظمات غير الصحية: المعلومة تتحسّن كلما صعدت في الهرم الوظيفي. أي أن ما يصل إلى القمة هو نسخة منقّحة ومجمّلة من الواقع، فيما يبقى الواقع الخام في القاع يتعفن في صمت. والسبب واضح: من يحمل خبراً سيئاً يخاطر بغضب المتلقي، فيتعلم مع الوقت أن الصمت أسلم من الصراحة.
هذا يعني أن المشكلة ليست دائماً في نزاهة من يقدم المعلومة، بل أحياناً في البيئة التي تحيط به. المنظمة التي تعاقب الصادقين وتكافئ من يُقدّم أخباراً سارة حتى لو كانت وهماً، تزرع بيدها بذور انهيارها. فالمدير الذي يستقبل التقارير السيئة بالزعيق والتهديد، يعلّم فريقه درساً واحداً: اكذب بأرقام جميلة أو احترس.
وحين تتجذّر هذه الثقافة تصبح المعلومة المُقدَّمة للقيادة مجرد انعكاس لما تريد القيادة أن تسمعه، لا انعكاس للواقع. وعندئذٍ، تتحول غرفة القرار إلى غرفة الأصداء؛ لا تسمع إلا ما تُصدره هي، ولا ترى إلا صورتها المُحسَّنة التي تعكسها مرايا من تحتها. وتلك هي بداية النهاية في كثير من القصص الكبرى التي قرأنا عنها في تاريخ الشركات المنهارة والأنظمة المتداعية.
الأم والمستشار: ما يجمعهما ويفرق بينهما
ثمة وجه مدهش للتشابه بين الأم المدبّرة وبين مستشار الإستراتيجية أو المحلل المالي أو المدير الإحصائي: كلاهما وسيط بين الحقيقة والقرار، وكلاهما يمتلك قدرة هائلة على التحكم في هذا الوسط إما بالإنارة أو بالحجب.
لكن ما يُفرّق بينهما أحياناً هو طبيعة الدافع. ربة البيت الأم تحمل دافعاً عاطفياً عميقاً نحو صلاح أسرتها؛ مصلحتها ومصلحة الأسرة واحدة غير قابلة للانفصال، فصدقها في الغالب صدق وجودي لا يتزعزع. أما في المؤسسات، فإن مقدّم المعلومة قد تتشعّب مصالحه؛ فهو موظف يريد أن يحافظ على وظيفته، أو مستشار يريد أن يجدد عقده، أو إدارة تريد أن تحسّن صورتها أمام المساهمين. وحين تتعارض هذه المصالح مع أمانة المعلومة، ينشأ التوتر الذي يُفضي إلى التشويه.
ولذا، فإن من أخطر الأخطاء المؤسسية أن يكون الشخص الذي يجمع المعلومة ويُحلّلها هو نفسه الشخص الذي يستفيد من نتائجها. هذا التداخل يُشكّل ضغطاً لا واعياً نحو تلوين الأرقام بألوان المصلحة، حتى وإن لم يقصد صاحبها الخداع. ومن هنا جاءت المطالبة في أدبيات الإدارة الحديثة بالفصل الواضح بين من ينتج المعلومة ومن يستهلكها ومن يقرر بناءً عليها.
درس ابن خلدون في زمن البيانات الضخمة
ربما يبدو غريباً أن نستحضر ابن خلدون في حديث عن الشركات والأرقام الإستراتيجية، لكن الرجل قبل سبعة قرون وضع أصفى ما يُقال في نقد المعلومة. حين عرض للأخبار التاريخية لم يسأل: ماذا قيل؟ بل سأل أولاً: من قاله؟ وما مصلحته فيما قاله؟ وهل يتفق ما قاله مع طبيعة الأشياء والأحوال؟
هذا السؤال الثلاثي لمصدر المعلومة، ودوافعه، وتوافق المعلومة مع السياق هو جوهر ما تُسميه أدبيات الإدارة اليوم بحوكمة المعرفة. وما أحوج المنظمات إلى من يقرأ ابن خلدون قبل أن يقرأ تقاريره الإحصائية؛ لأن الرجل علّمنا أن الرقم في ذاته ليس حقيقة، وأن الحقيقة تكمن خلف السؤال عن أصله.
في زمن البيانات الضخمة، يزداد هذا الدرس إلحاحاً. المؤسسات اليوم تسبح في بحور من الأرقام، وقدرتها على توليد المعلومات تفوق قدرتها على تمحيصها. فتكثر المعلومة وتشحّ الحقيقة. ويصبح الخطر ليس في القحط المعلوماتي بل في الفيضان؛ فيضان أرقام كثيرة لا يُعرف صحيحها من مغلوطها، ودقيقها من مُضخَّمها.
الأرقام الصادقة رحمة
نعود إلى حيث بدأنا: إلى البيت الصغير وإلى الأم التي تُمسك بخيوطه. ما يجعلها صمام الأمان ليس اتساع سلطتها، بل ضيق مجال خداعها فهي لا تستطيع أن تكذب على بيتها لأن ضرر الكذب سيعود عليها قبل غيرها. هذه الوحدة في المصير هي ما يضمن صدقها.
والمنظمة التي تنجح في بناء هذه الوحدة حين يشعر كل من يُقدّم معلومة أن مصيره مرتبط بصدقها لا بجمالها تبني لنفسها مناعة ذاتية ضد أخطر الأمراض المؤسسية: مرض المعلومة المُجمَّلة.
والقيادة الحكيمة هي التي تعرف أن أثمن ما تملكه ليس حكمتها في القرار فالحكمة لا تجدي دون حقيقة بل ثقافتها في استقبال الحقيقة مهما كانت مُرّة. من يُكرم حامل البشرى السيئة يُعلّم المؤسسة كيف تبقى حية. ومن يُعاقبه يُعلّمها كيف تموت بابتسامة.
في النهاية، المعلومة أمانة. وكما أن الأمانة في العلاقات البشرية هي ركيزة الثقة، فإن الأمانة في الأرقام هي ركيزة البقاء. والمنظمة التي تبني ثقافتها على الأرقام الصادقة تبني على صخر، والتي تبنيها على أرقام مُزيَّنة تبني على رمال وإن طال البنيان فإن سقوطه سيكون بقدر ارتفاعه.