تذكرني أيها المشرف حينها بدعوة صادقة، تذكروني حينها أيها المضافين بدعواتكم الصادقة التي لن تجدوا خلفها شديد عناء، ولن تكلفكم من وقتكم الثمين إلا ثوان معدودة، لكنها بالنسبة لي تعني الكثير والكثير جداً، فهي ثوان لا تقدر بثمن. تذكروا أني كنت يوماً بينكم أزاحمكم هذه المجموعة، تذكروا أني كنت أكتب وأقرأ، كما تكتبون وتقرؤون الآن، تذكروا أني كنت أشارككم التهنئة في أفراحكم والتعزية في مصابكم وفي نعي أصدقائي وأصدقائكم. تذكروا أني كنت أضحك أحياناً معكم، وأصمت أحياناً كثيرة. أيها المضافون، أصدقائي في المجموعة، لا تقولوا يوم أن أرحل، والله كان طيبا، كما هي عادتكم لمن رحل عنكم، بل قولوا كان ومازال طيبا، وإن مت وبلي جسدي تحت التراب فالإنسان لا ينتهي تماما ً إلا حين ينسى، فلا تنسوني، واجعلوني بينكم كما لم أرحل، واستروا لي زلاتي وانشروا عني حسناتي.
الحقيقة التي لا أحب أن أسمعها، بل لا يحب الجميع سماعها، هي الحقيقة المرة التي تقول: لا أحد سيبقى هنا، لا أحد سيخلد، سوف يحذف الجميع من قوائم المجموعات، وسوف تنسى من الجميع، بل سنحذف من قوائم الحياة برمتها، دون استثناء شئت أم أبيت.
إياك أن تعتقد أن هناك من سيحتفظ بك في ذاكرته فبقائمة الأولويات للأبد، لا، فدورك سينتهي من الذاكرة كما انتهى من الحياة لا محالة، مهما كثر وطال ذكرك، فلا قريب ولا صديق ولا أخ سيمنحك من وقته أكثر مما تستحق. الكل سوف ينشغل عنك بمجرد رحيلك، فالوقت يسرقهم واهتماماتهم السابقة بنشاطاتك وكتاباتك وجميع أفعالك سوف تتبدل باهتمامات جديدة، وذاكرتهم ستتعب من وجودك فيها. هي بضع قطرات من الدموع ستسكب مع مبتدأ خبر وفاتك، وبضع زفرات من ألم الفقد والفراق، وبضع كلمات من الثناء تقال قبل وبعد أن توارى الثرى، ثم ينتهي كل شيء. وفي سرادق عزائك سوف تلوكك الألسن بما تحب وبما لا تحب، فأنت مذكور على طرف اللسان أو في الذاكرة لأيام معدودة وفي مساحة محدودة، ثم يتلاشى اسمك من على الألسن وتُنسى، تُمحى من الذاكرة شيئاً فشيئاً إلى أن يتبخر ذكرك وكأنك شيء لم يكن.
وإياك أن تصدِّق أن هناك من سيذكرك طيلة حياته، لا تصدق من يقول لك ذلك، ولا تصدق من يخبرك بأنه لن ينساك أبداً ما حيي. لا تصدقه، لا لأنه كاذب، لكن لأن انشغالات الحياة أقوى منه وأشرس من الوعود التي أطلقها، والزمن أقسى من العاطفة والمشاعر التي منحك إياها، والتجارب علمتني بأن الزمان يمضي والناس أيضاً ماضون معه، وعلمتني أن الاهتمامات الجديدة تلتهم الاهتمامات القديمة، علمتني أن الناس ستكون لهم اهتمامات أخرى بعد موتي، مها كان وضعي المادي والاجتماعي، اهتمامات تفوق تذكري وذكري. لهذا لا تنتظر أن يخلدك أحد في ذاكرته، ولا تبنِ قيمتك على تذكر الناس لك، بل ابنها من الآن على ما بينك وبين من لا ينسى، بينك وبين الله، ابنها على أثر طيب تتركه دون ضجيج، لعله يبقى لك بعد أن تحذف من القائمة.