وإذا كان الفكرُ الاجتماعي العربي قد أَنصف رفاعة الطهطاوي وبطرس البستاني وفرنسيس المراش وقاسم أمين لإيلائهم مسألة المرأة موقعًا مركزيا في أفكارهم النهضوية، إلا أن ثمة رائدات عربيات أَثَرْنَ هذه المسألة منذ سبعينيات القرن التاسع عشر على مستوىً متقدم من العُمق والجدية ولم يَحظيْنَ، حتى من النخب الثقافية، بما يَستحققنه من الدراسة والتقدير. ومن الغبن والإجحاف الاعتقاد أن نهضتَنا الحديثة صنيعة الرجال، وأن المرأة العربية كانت دائمًا على هامش الحراك النهضوي، وأن أدب الرائدات كان شِعرًا فقط، كما يَذكر مارون عبود في «رواد النهضة العربية الحديثة».
فالمرأة العربية اضْطلعت بدَورٍ أساس في نهضتنا الحديثة، وقد أَوْلَت الدراساتُ الأدبية والفكرية اهتمامًا كبيرًا بالرائدات من النساء في الصحافة والأدب والشعر، من وردة اليازجي ومريانا مراش إلى مي زيادة ونظيرة زين الدين اللواتي أسهمْنَ في تقدمِنا حضاريًا واجتماعيًا، وسعَيْنَ إلى نهضةِ المُجتمع العربي من خلال نهضة المرأة ومؤازَرة الرجل من أجل تجاوُز الفوات التاريخي وإرساء أسس مجتمع عربي جديد.
مريانا مراش وصالونها الأدبي
أولى الرائدات وأبرزهن مريانا مراش الحلبي (1848 – 1919) رائدة الصحافة النسائية في عصر النهضة العربية. بادرت، وهي لما تبلغ الثانية والعشرين من العمر، إلى الخوض في مُعترك الفكر والثقافة جنبًا إلى جنب مع الرواد الأوائل، فكَتبت مقالتها الأولى «شامة الجنان» في مجلة «الجنان» للمعلم بطرس البستاني في عامها الأول في أغسطس 1870 في وقتٍ كان فيه العالَمُ العربي يرسف في ظلام الاستبداد والتخلف، كما أن فكرة دونية المرأة آنذاك كانت واسعة الانتشار في كل الأوساط الاجتماعية والطائفية، وكانت الديار الشامية تُهمِل تعليم البنات إهمالًا يكاد يكون شاملًا.
في مقالتها، وهي أولى مقالات المرأة في الصحافة العربية (كما يَذكر فيليب طرازي في تاريخ الصحافة العربية)، حثت مريانا مراش بنات جنسها على درْس العلوم والصنائع كالرجال بقولها: «هلم بنا نتسابق في ميدان الأدب والمعارف… ألم نكن فُطِرْنا من جِبِلة الرجال، ولو كنا أضعف بنية، ففينا الاستعداد نفسه… فلنرفع عقولَنا، ونوسع أفكارَنا لكي نَأخذ رتبةً ومقامًا في الهيئة الاجتماعية». وأَردفت مريانا مقالتها بمقالةٍ أخرى في «الجنان» خاطَبت فيها نساء عصرها، قالت فيها: «ها شجرة التمدن التي يُقدمها العصر، فلنمد لها أيدينا ولنعانقها مُقتطِفين من أثمارها وأزهارها».
لم تَكتفِ مريانا بالكتابة في مجلات عصرها، بل حولت منزلَها إلى صالونٍ أدبي، هو الأول في الشرق العربي، كان أدباءُ عصرها ومثقفوه يَجتمعون فيه، يَتطارحون الشعر ويتكلمون في الآداب والعلوم والاكتشافات الحديثة. وكان من رواد صالونها جبرائيل دلال شاعر قصيدة «العرش والهيكل»، ونصر الله دلال كاتب «منهاج العِلم»، والأديب قسطاكي الحمصي الذي قال فيها: «شعلة الذكاء، فصيحة الخطاب، ألمعية الجواب، عذبة المنطق، طيبة العشرة».
فضلًا عن إنجازاتها الثقافية والصحافية، أَصدرت مريانا مراش في العام 1893 ديوانَ شعرٍ حضَّت في مقدمته بنات جنسها على الانخراط في ميدان العِلم والتقدم، من أجل «الوصول إلى شجرة الفوائد التي تَحمل دررًا، فيلتقطْنَها ويحلين جيدها بها».
روز أنطون ونقد دونية المرأة
إذا كانت هذه إسهامات مريانا التنويرية، فإن ثمة رائدة أخرى هي روز أنطون (1882 – 1955) التي خَطت خطواتٍ متقدمة في اتجاه تأكيد مكانة المرأة ودَورها البارز في الحراك النهضوي العربي. انتقدتْ روز النظرةَ الدونية للمرأة بقولها: «إذا عملت المرأة عملًا خارجًا عن دائرة اختصاصها نسبوه للرجل لا لها، فإذا كتبت أو ألَّفت قالوا الرجل هو الذي كَتب وألَّف… وكم كان هذا سببًا ليأسِ النساء في شرقنا… مع أن النجاح في هذه الفنون ميسور للمرأة كما هو ميسور للرجل». أيدها في ذلك شقيقها فرح، الرائد النهضوي صاحب مجلة «الجامعة» إذ قال: «إنني لم أطبع سطرًا واحدًا في «الجامعة» إلا بعد أن اطلعت هي عليه ونَظرت فيه». عملتْ روز مع أخيها فرح على إصدار مجلة «السيدات والبنات» (1903 – 1906) في الإسكندرية، وشارَكت زوجَها النهضوي البارز نقولا الحداد بين عامَيْ 1921 و1930 في إصدار «مجلة السيدات والرجال» في القاهرة، مُنبهَةً في المجلتَيْن إلى ما يَجب أن تتعلمه المرأة وما يجب أن تتجنبه من العادات والأخلاق، وطَرحت موضوعاتٍ صادمةً للمُجتمع المصري في تلك الفترة، مثل الاختلاط في المدارس، وحق الانتخاب للنساء، كما كَتبت مقالاتٍ في التنديد بالاستعمار والخَطَر الصهيوني، وحضَّت على الوعي الوطني لنيْلِ الاستقلال والحرية وتحقيق التقدم، مُشددةً على انخراطِ المرأة في العمل، واقتباسِ أخلاق الغرب في حب النفس والتضحية من أجل الوطن، وعلى اعتماد الأمة على ذاتها في التعليم والإنتاج.
مي زيادة وتحرير المرأة
هذه الإسهامات التنويرية ستَأخذ أبعادًا جذرية مع مي زيادة، الرائدة المميزة في فكرنا النهضوي، والتي قال فيها أنطون سعادة «لم تُنجِب سوريا في القرون الأخيرة من النساء أديبةً كبيرة كمَيْ زيادة، وأقول بكل تأكيد إني لم أَجد فيمَن قرأت ولا فيمَن حادَثت من أدباء سوريا ومصر سوى نفرٍ قليلٍ جدًا من الأدباء الرجال الذين يُضاهونها ثقافةً وشعورًا وفنًا». كانت مي كأكثر النهضويين العرب، كاتبةَ مقالٍ في الدرجة الأولى، مارَستْ مهنةَ الصحافة تحت إشراف أبيها إلياس ورعايته، بدأت من جريدة «المحروسة» التي كان يملكها والدُها، وصولًا إلى «الأهرام» التي كانت تُكلفها كتابةَ المقال الافتتاحي بين الحينِ والآخر منذ العام 1922، وقد عملت بقوة على تحقيق النهضة الفكرية داخل المجتمع المصري بتطويع حداثة الغرب وإنجازاته المادية والثقافية لتُناسِبَ المُجتمع المصري والفكر الشرقي.
تجنبت مي الالتزامَ بتحريرِ مطبوعاتٍ محددة، إلا أنها أخيرًا اختارت العمل في مطبوعةٍ مصرية مهمة ناطقة باسم حزبٍ سياسي مصري فاعل. ففي العام 1922 أَصدرت جريدة «السياسة» اليومية الناطقة باسم «حزب الأحرار الدستوريين» الذي كان من أعضائه أو أنصاره محمد حسين هيكل وطه حسين وعلي عبدالرازق؛ وإذ أَصدر هيكل «السياسة الأسبوعية» التي استمرت من العام 1926 إلى العام 1949، وكانت كما وصَفها مصطفى عبدالرازق «ركنًا من أركان نهضتنا الفكرية»، و«أهم مَصدر لدراسة حياتنا الثقافية في الربع الثاني من القرن العشرين… وكان لها دَورٌ حاسم في تأصيل منظومة القيَم الثقافية للحياة المُعاصرة» وفق محمود فهمي حجازي، عَهَدَ إلى ميْ زيادة تحرير القسم النسوي الاجتماعي، فكان أن اتخذته منبرًا خاصًا لتُطلِقَ من خلاله ما وصفته بـ«التيار الفكري الأخلاقي» وقد استمرت في موقعها هذا حتى فبراير 1927.
في «السياسة الأسبوعية» دَعت مي إلى تحرير المرأة العربية من الجهل والاستعباد ورفْع مستواها الاجتماعي ومساواتها بالرجل في الحقوق والواجبات؛ فالإصلاح يَبدأ عندها برفْعِ غشاء الخزعبلات والأوهام عن عينَيْ المرأة ليُدرِكَ الناظر فيهما أن معنى الحياة عظيم لأن لا نهضة صادقة من دون مُشارَكة المرأة الفاعلة في المُجتمع والإنتاج والعِلم، تقول مي: «نحن نريد أن نحيا حياةً أخرى راقية، نريد أن نَعرف العالَم وأن نعتمد على أنفسِنا في حياتنا وعلى مَقدرتِنا وعِلمِنا. نريد أن نعيش أحرارًا فنعمل كما تعملون ونتمتع بالحياة كما تتمتعون». من هنا نادَتْ مَي بعملِ المرأة في كل المجالات مُخاطِبةً النساء بقولها: «أَلَم تُفكرن في أن تَسقْنَ سياراتكن بأنفسكن… فلْننطلق إلى الجياد نعتلي صهوتها، وإلى الدراجات فنَركبها والسيارات فنسوقها… والطيارات نُحلق بها في الجو… الوطن يُناديكن فهو في حاجةٍ إلى عملكن ورقيكن ونهضتكن».
لكن مي، مع ذلك لم تَطرح تفوُقَ المرأة على الرجل أو الصراع معه والحد من مكانته لأنه «إذا سقطَ الرجل سقطْنا معه، وإذا ارتفعَ كنا بارتفاعه عظيمات. لذلك نَجتهد في تأييد دولته بشرط أن يَنصبَ عرشَنا قربَ عرْشِه، وأن نَقفَ إلى جنبه وقفةَ المثيل بجوارِ المثيل». نظيرة زين الدين وتحدياتها
ومن الرائدات النهضويات الطليعيات نظيرة زين الدين التي وَضعت كتابها «السفور والحجاب» في العام 1928 وهي لما تبلغ الثانيةَ والعشرين ربيعًا وأَردفته بكتاب «الفتاة والشيوخ» في العام 1929 طارحةً في الكتابَيْن قضية المرأة وحقوقها وطبيعة مُعاناتها والقهر الإنساني والاجتماعي اللاحق بها من منظورٍ فلسفي تَميَز بالرصانةِ والعُمقِ والجدية.
تكمن أهمية كتابَيْ زين الدين في أنهما شكلا مشروعًا فكريًا تقدميًا وقراءةً تنويريةً لتراثِنا، قلما ظَهرت امرأةٌ تَمتلك القدرةَ والشجاعةَ على مُقاربتِهما.
فقد تجاوزتْ زين الدين في كتابَيْها مسألةَ السفور والحجاب لتَطرحَ قضيةَ المرأة في العالَم العربي والإسلامي، رافضةً الأُسس الفلسفية التي يقوم عليها التمييز المُجحف بحقها، مُستندةً في حججِها إلى التراث الإسلامي وإلى مفاهيم الحداثة وقيَمِها. فتعلُم المرأة في رأيها، حق شرعي ولا يجوز حصْرُها بالمنزل أو المَغزل. وتُطالِب زين الدين بحق المرأة في الاجتهاد وحقها في اشتراع قوانين عادلة، فتُصِر على ضرورة اشتراك النساء في الحُكم وحقهن في الانتخاب، بل تَذهب أبعد من ذلك، إذ تَطرح تأنيثَ الأداء السياسي من أجل الخير العام، باعتبار المرأة أكثر مَيْلًا إلى السلام من الرجال الذين أشعلوا الحروبَ؛ وهي تُعلِل موقفَها بقولها: «إن حرمان المرأة الاشتراك في الحُكم الشعبي هو مُنافٍ لأمره تعالى بأن يَشتركَ الرجالُ والنساءُ في المُبايَعةِ والانتخاب، ومُنافٍ لمُقتضى العدل وحُكم العقل ومصلحة الأُمة»، وتَدعم رأيَها بشواهد غربية وعربية وإسلامية.
من هذا المنظور رَفضتْ زين الدين تشييءَ جسد المرأة استنادًا إلى نظرةٍ إيروتيكيةٍ بحتة، وركزت على خصالها الأخلاقية والعقلية.
لَقِيَ كتابُ زين الدين «السفور والحجاب» ردودًا ترحيبية من كتاب وشعراء ورجال دين، من خليل مطران وعلي عبدالرازق إلى الشيخ عبدالقادر المغربي والشيخ يوسف الفقيه الذي رأى فيه «تحفة ثمينة».
*كاتب من لبنان
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.