لكن هذه ليست القضية الأهم اليوم؛ فبغضّ النظر عن صحة ذلك أو عن مدى نسبة صحته، يظل السؤالان الأكثر إلحاحًا في واقعنا الراهن هما:
ما مدى حضور التفكير العلمي في الثقافة والعقل الجمعي العربي اليوم؟
وكيف يمكن توسيع هذا الحضور؟
الإجابة عن السؤال الأول، وللأسف، تشير إلى أننا من أقل الأمم استخدامًا للمنهج العلمي في حياتنا اليومية وفي تفسيرنا للظواهر من حولنا، وهو ما يتضح من سهولة شيوع بعض المعتقدات غير المختبرة علميًا بين جميع الأوساط.
أما الإجابة عن السؤال الثاني، أي عن طريقة العلاج، فربما تكمن أهم سبلها في تهيئة النشء، وزرع بذور التفكير العلمي لديهم في المراحل العمرية المبكرة.
وليس هناك أيسر ولا أجدى من المواد الترفيهية الموجّهة للأطفال، مثل أفلام الكرتون والروايات وما شابهها.
فلو تخيلنا مسلسلًا كرتونيًا يكون أبطاله ممن يواجهون التحديات والتساؤلات التي تصادفهم في محيطهم بطريقة علمية وشيقة، تدمج بين صرامة العلم ودهشة الفلسفة بما يناسب أعمارهم.
فالعلم يمنحهم الأداة للبحث، بينما تمنحهم الفلسفة القدرة على المساءلة ونقد المسلّمات.
فبدلًا من تقديم إجابات جاهزة، يعلّم هذا المحتوى الطفل كيف يندهش من الظواهر التي يراها يوميًا، وكيف يتعامل مع تضارب التفسيرات التي يسمعها من حوله. إن الهدف هو تحويل البحث إلى مغامرة ذهنية ووجودية؛ حيث يبدأ البطل بالملاحظة الدقيقة، ثم طرح السؤال الجوهري، يليه صياغة فرضيات منطقية، ثم الانتقال إلى اختبار هذه الفرضيات عمليًا، وصولًا إلى استبعاد الخاطئ منها بناءً على الدليل، والانتهاء باستنتاج مبني على التجربة.
ويمكن أن يجري ذلك عبر تساؤلات بسيطة تفتح آفاق العقل، مثل: لماذا يفسد الطعام خارج الثلاجة أسرع من الطعام داخلها؟ أو من أين تولد الحياة في قلب الصحراء الجافة بعد الأمطار، ومن أين تأتي بذورها؟
هذه التساؤلات، على سبيل المثال، لا تنحصر فوائدها في التوصل إلى معلومات عن الطبيعة، بل هي تمرين فلسفي يعزز مبدأ السببية ويرفض الخرافة.
هذا النهج يجب ألّا يكون نهجًا أكاديميًا فقط، بل منهج حياة وصقلًا لملكة النقد، بحيث يصبح التساؤل والبحث هو المحرك الأول للذهن أمام أي قضية.
ولنا في قصة حي بن يقظان لابن طفيل مثال مبكر وملهم؛ تلك الرواية التي ذاع صيتها عالميًا لأنها قامت في جوهرها على التساؤلات الوجودية، وعلى فكرة بناء المعرفة من خلال الملاحظة الحرة، والتأمل العقلي المستقل عن التلقين، مبرهنةً على أن العقل البشري قادر على إدراك أعقد الحقائق إذا ما امتلك المنهج الصحيح.
إنها دعوة للأهالي لغرس حب التساؤل والبحث عن الإجابات بالطريقة العلمية ، كما أنها دعوة لكتّاب الروايات ومنتجي أفلام الكرتون إلى بذر هذه البذور الطيبة في عقول الأجيال الصاعدة، بدلًا من المحتوى الهزيل الذي تعجّ به شاشاتنا، والذي يكرّس السطحية، ويُغيّب العقل.