فبينما ترفع بعض الحكومات شعارات التنمية والشراكة غطاءً لأجندات خفية، تستهدف النفوذ والسيطرة على الموارد، تتمسك دولٌ أخرى بمبادئ راسخة ترى في خدمة الإنسان غايةً لا وسيلة، وفي دعم الشعوب مسؤوليةً لا استثماراً.
الوجه القبيح للشراكات المشبوهة
تكشف التطورات الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي نموذجا صارخا للاستغلال المُقنَّع بثوب التنمية. فقد توسعت دول في بناء شبكة من القواعد العسكرية والاستخباراتية، تمتد من ميناء بوصاصو في بونتلاند إلى بربرة في صوماليلاند، مروراً بجزر سقطرى اليمنية. هذا التوسع الذي يُقدَّم تحت غطاء الاستثمار في البنية التحتية يخفي وراءه أجندة جيوسياسية واضحة المعالم، تستغل هشاشة الدول وانقساماتها الداخلية لفرض نفوذٍ طويل الأمد.
وعلى إثره، ألغت الحكومة الصومالية الفيدرالية أخيراً اتفاقيات الموانئ والأمن، لما شهدته من تدخلات تنتهك السيادة الوطنية، إذ تحولت هذه المنشآت من مشاريع تجارية إلى قواعد لوجستية تغذي صراعات إقليمية، ولا سيما بالسودان واليمن، في تجاهلٍ تام لحظر الأسلحة الأممي.
وعلى المستوى الغربي، لا يزال الإرث الاستعماري يُلقي بظلاله على القارة الإفريقية. فمن منظومة الفرنك الإفريقي، التي تُلزم اثنتي عشرة دولة بإيداع 50% من احتياطياتها في الخزينة الفرنسية،
إلى مؤسسات «بريتون وودز» التي تفرض شروطاً تقشفية مقابل قروض لا تُسهم في التنمية الحقيقية، يستمر استنزاف ثروات القارة تحت مسميات المساعدة والإصلاح الهيكلي.
في المقابل، تقدم المملكة العربية السعودية نموذجاً مغايراً تماماً في إدارة علاقاتها الدولية. فعبر ذراعها الإنسانية، مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، نفذت المملكة أكثر من خمسمئة وتسعة وعشرين مشروعاً في عام 2024 وحده بتكلفة تجاوزت ستمئة وواحداً وعشرين مليون دولار، وامتدت لتشمل عشرات الدول دون اشتراطات سياسية أو مطامع في الموارد.
تتنوع هذه المشاريع بين دعم الأمن الغذائي في السودان والصومال وباكستان، وإعادة تأهيل المخابز في سوريا، لتخدم أكثر من مليون وأربعمئة ألف مواطن، وتشغيل مراكز الأطراف الصناعية في اليمن التي استفاد منها مئات الجرحى والمصابين.
كما أسهم مشروع «مسام» في نزع أكثر من خمسمئة ألف لغم من الأراضي اليمنية منذ انطلاقه، منقذاً أرواح الآلاف من مصير مأساوي.
ما يميز هذا النهج أنه لا يرتبط بعقود تُلزم الدول المستفيدة بتنازلات لاحقة، ولا يتضمن ازدواجية بين الخطاب المُعلَن والممارسة الفعلية. فالطائرات الإغاثية السعودية التي تحط في مطار العريش حاملةً المساعدات لأهالي غزة، أو تلك التي توزع الملابس الشتوية على النازحين السوريين، لا تحمل معها أجندات خفية أو حسابات ربح وخسارة.
الغاية لا تبرر الوسيلة
تتحرك بعض الدول اليوم من منطلق أن نموها يأتي حتماً على حساب تفكيك الآخر وإضعافه، متجاهلةً أن منظومة العلاقات الدولية السليمة تقوم على المنفعة المتبادلة لا على الهيمنة الأحادية.
استغلال حاجة الدول الفقيرة وصراعاتها الداخلية لبناء نفوذ استراتيجي هو شكل من أشكال الاستعمار الجديد، وإن تغلف بمشاريع البنية التحتية أو اتفاقيات الشراكة.
إن بناء ميناء أو مطار ليس فضيلةً بذاته إن كان يُستخدم لاحقاً منصةً لإذكاء الصراعات أو التدخل في الشؤون الداخلية، والقروض المشروطة التي تُغرق الدول في دوامة الديون لا تختلف جوهرياً عن الجزية التي كانت تُفرض في حقب الاستعمار القديم.
خلاصة القول
يبقى الفارق جوهرياً بين من يمد يد العون انطلاقاً من مسؤولية إنسانية وأخلاقية راسخة، ومن يتخذ من المساعدة غطاءً لمشاريع نفوذ وسيطرة.
والتاريخ كفيلٌ بأن يُبقي على العلاقات المبنية على الثقة والاحترام المتبادل، بينما تتهاوى تلك القائمة على الاستغلال والخداع مهما طال أمدها. فالشعوب تدرك في نهاية المطاف من جاء ليبني ومن جاء لينهب، ومن قدّم العون دون منّة ومن أثقل كاهلها بديون وشروط.
العالم اليوم بحاجة إلى نماذج تُثبت أن التعاون الدولي يمكن أن يكون نبيلاً وصادقاً، وأن خدمة الإنسان يمكن أن تكون غاية بذاتها لا مجرد وسيلة لتحقيق مكاسب جيوسياسية.
وفي هذا السياق، تقدم المملكة العربية السعودية دليلاً عملياً على أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على العطاء دون انتظار مقابل، وفي بناء جسور الثقة بدلاً من فرض واقع الهيمنة.