وعلى صلة وثيقة بالقراءة أين أصبح موقع الكتاب المطبوع في زمن الإنترنت؟ من المعروف سلفا أن اختراع المطبعة كان أحد محركات التقدم الكبرى في تاريخ البشرية، إذ دشنت المطبعة فصلا جديدا في تاريخ الحضارة أصبحت فيه المادة المطبوعة، كتابا كان، أم صحيفة، وسيلة التواصل المعرفي أيا كان نوعه، ودخلت البشرية مرحلة الكتاب المقروء. غير أن ثورة الإنترنت حجمت دور المطبعة ومخرجاتها شيئا فشيئا إلى أن كادت أن تقضي عليها، وقد قضت على عدد كبير منها بالفعل.
وهنا يطرح السؤال المهم نفسه: ما الذي يجعل الإنسان يفضل أسلوبا على الآخر في ممارسة أي نشاط حياتي كان وهو هنا القراءة. هل هو طريقة إنتاج المادة المعنية بالنشاط، أم اختيار معد سلفا لدى المرء. من الصعب الجزم بذلك، لكن الكتاب شأنه شأن أي منتج ثقافي آخر يتأثر بوسائل إنتاجه والمحتوى الذي يحمله والوسط الذي يطبع ويقرأ فيه. ومن المعروف أن ازدهار الطباعة صاحبه ازدهار صناعة الورق فلا كتاب من دون ورق.
هنا يجد المرء ذاته معنيا بالعلاقة بين الإنسان ومقتنياته. الإنسان كائن فيزيائي له كتلة ووزن ومادة، وكذلك الكتاب وكل ما التصق بجسد الإنسان من ملبس ومأكل ومشرب ومأوى. غير أن الثورة الرقمية كسرت بل حطمت الوجود المادي للأشياء وجعلت من المطبوعات الورقية والكتاب في مقدمتها مجرد مادة رقمية يمكن تحميلها وتخزينها ومن ثم الوصول إليها عبر نقرة زر على أي جهاز محمول أو هاتف جوال. ألهذه الدرجة أصبحت المعرفة ميسرة وإلى هذه الدرجة، وتم اختزال الطباعة في مجرد ضغطات على شاشات الكمبيوتر؟ وهل من المعقول أن يتم إنزال الكتاب من عليائه إلى مجرد مادة رقمية على شاشات اللاب توب والجوال؟ ألا يمثل تحول الكتاب من مادة فيزيائية لها طول وعرض ووزن وكتلة إلى مجرد بيانات على الإنترنت انتقاصا من شأنه؟ ألا يمثل ذلك خللا في وفاء الإنسان تجاه مقتنياته ومواضيعه؟ أين هي الحميمية المتأصلة بين الكتاب وقارئه؟ لا أحد ينكر أن ثورة الإنترنت والثورة الرقمية عموما قد قلصت إلى حد كبير الاعتماد على الورق. وعلى الرغم من أن ذلك يبدو مستحبا بل وضروريا في سبيل التغلب على صعوبة حفظ المواد الورقية والأرشفة، إلا أن الزج بالكتاب في أتون الحمى الرقمية فيه إجحاف بحقه وإنزال له من كبريائه. إذ يبقى الكتاب (باعتباره مادة ورقية) منتجا ثقافيا متميزا عن أي مادة ورقية أخرى رقمية كانت أو ورقية.
المادة الرقمية تزول بمجرد الانتهاء من قراءتها، مثلها مثل منتجات العصر الحديث، سريع الإعداد والاستهلاك وانتهاء الصلاحية.
غير أن الكتاب يأبى الخضوع لتلك المعايير المتغيرة بتغير الزمان والمكان. فالكتاب يأخذ سنوات من الإعداد والتأليف والطباعة وقبل ذلك سنوات من البناء المعرفي الذي يثمر عنه في النهاية. والقراءة في الكتاب ليست مثل قراءة مادة رقمية حتى وإن كانت كتابا يمكن تصفحه أو سماعه عبر الشاشة، فما زال الكتاب المطبوع محافظا على هالة من القدسية تجعل منه مادة تقاوم طوفان الحياة الصاخب.
أما لعشاق القراءة فإن للكتاب شأنا آخر. إنه ليس مجرد «خير جليس في الزمان» كما وصفه المتنبي. إنه الرفيق والصاحب. وبتعدد موضوعات المعرفة من علم وتاريخ وفلسفة واقتصاد وعلم اجتماع ورواية وأدب وكل حقول المعرفة تتعدد صور الإمتاع هذه ويصبح الكتاب الصديق الصدوق في المؤانسة والإمتاع. ولهذا السبب ما زال معرض الكتاب حدثا ثقافيا يعيد للكتاب مكانته التي يستحقها.