والدي التحق بالعمل العسكري في 15 ربيع الثاني 1370هـ، وقد توفي المغفور له الملك عبدالعزيز عام 1373هـ، ولهذا فالسردية التي عاشها والدي وهو طفل لم تكن مرتبطة بالدولة السعودية بقدر ما كانت مرتبطة بالقبيلة وعناصر أخرى، هذا كله امتزج لاحقاً بمعطيات أخذتها من بعض الكتب التي قرأتها في العلوم المشار إليها سابقاً.
كانت الهوية الوطنية تسمى «تابعية»، وكان بعض الناس يتجنبون استخراجها لأن شرط الصورة الشخصية حرام عندهم، وغيرها من أمثلة لجدلية «الماضي والمستقبل» وبينهما حاضر ينحاز للمستقبل غالباً، ولا يعود للماضي إلا في حالات «الفوات الحضاري» الناتج عن الحروب وغيرها.
ويمكن أن نملأ المجلدات بأمثلة مشابهة، فنحن مثل أي مجتمع في الشرق أو الغرب نعيش التقدم وفق معطيات تاريخنا الخاص، فكل دولة لها عطبها الحضاري الذي تحاول معالجته. يكفي أن تنظر إلى أزمات الأفروأمريكان في الولايات المتحدة حتى اليوم، فكيف لو رأيناها في زمن مالكوم اكس.
حديثي هنا عن الحياة في ظل «الاقتصاد الريعي» طيلة عقود تجاوزت السبعين عاماً، وما نتج عن ذلك من غلبة عقلية «الرعايا» على عقلية «المواطن»، فالرعايا يعيشون على مائدة الإنتاج الاقتصادي العالمي، وتوفر لهم الدولة النفقات اللازمة للتنعم بهذا الإنتاج دون وجود حافز حقيقي لمنافسته. ويعيشون تحت مبررات تنسب أحياناً إلى «مصفوفة لغوية» لما يسمى عيباً أو حراماً.
أسميها «مصفوفة لغوية» لأنها وفق هيكلة لغوية أخرى تصبح «لا عيب ولا حرام»، فنظام التقاعد عند ظهوره كان يعد حراماً لأن مصطلحه كان «التأمين على الحياة».
وهذه المصفوفة تتقاطع مع مصفوفة «تحريم القهوة» لسنوات عند بعض الفقهاء لأنها كانت تعد أسماً من أسماء الخمر.
أخشى أن يفلت مني الموضوع، وهو مسار أراه طبيعياً لأي دولة وطنية تبدأ بفكرة «الرعية» وتنتهي بفكرة «المواطنة»، وما أخشاه أكثر أن المرحلة التي نمر بها اليوم، وفق حماس بعض التكنوقراط الأذكياء المخلصين، تكمن في القفز من مرحلة «الرعايا» إلى مرحلة «الزبائن» دون المرور بمرحلة «المواطنة».
المبالغة في طرح كثير من معطيات الحكومة بمنطق القطاع الخاص تحول المواطن إلى «زبون» يتعاطى مع الخدمات بهذا المنطق، وهذا مناسب وممتاز في زمننا، لكن الزبون يجب أن يكون مؤسساً على مفاهيم راسخة من المواطنة تجعله يفرق بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص، فالتعامل مع الدولة لن يشبه بالنسبة للمواطن التعامل مع متجر أو تطبيق، أما القفز من «الرعايا» إلى «الزبائن» دون تأسيس كاف لمعطيات المواطنة وفق المعايير الدولية، فقد يخلق أنماطاً من «الانسحاب الاجتماعي الصامت» تشبه تساؤلات وزارة التعليم عن ظاهرة الغياب قبل الإجازات وبعدها، فالمواطنة ليست إجراءً إدارياً، بل منظومة قيمية تجعل الفرد شريكاً في المجال العام، لا مجرد مستهلك لخدماته.
ما مر به العالم في «كوفيد» أصبح مشجباً يعلق عليه كثير من المنظرين تحليلاتهم للتغيرات العالمية، بينما الحقيقة – من وجهة نظري – أن فترة كوفيد لم تكن إلا مسرعاً لتفاعلات اجتماعية مع العالم الافتراضي والتطبيقات الرقمية في كل شيء، وقد نجحنا في تجاوز إشكالاتها بتفوق سبقنا فيه كثيراً من الدول المتقدمة.
لا أحب الوقوف مع أولئك الخائفين من التغيير، لكن «التغيير» لا علاقة له بمصطلح «التطور» المختلف عن مصطلح ثالث اسمه «التقدم».
فالتغير والتطور مفهومان محايدان، لا يمكن وضعهما ضمن معيار حضاري، فهما يصلحان للتوصيف العلمي أكثر من التوصيف الأخلاقي أو القيمي، فتطور المانيا النازية لا يعني أنها كانت متقدمة حضارياً ما دامت تعيش «عقل القرون الوسطى» في النقاء العرقي أو الديني، أما التقدم فيتضمن مفاهيم أخلاقية وقيمية تخص الحضارة الإنسانية الحديثة، التي تعزز التفاعل الإيجابي مع ظواهر التغير والتطور، وإلا فلن يتحقق شرط «الحضارة الحديثة» في مفهوم التقدم.
اعتذر للقارئ عن إطالة النجعة، بقدر رجائي أن يقرأ المقال في إطار التهميشات على متن «الازدهار والتنمية» التي تسعى إليها كل دول العالم، ونحن على قائمة أقوى دولها العشرين.