اللائحة تعطي خارطة طريق للإجراءات المتبعة؛ فالنظام هنا يضبط القرار والإجراء المتبع وهذه باختصار وظيفة اللائحة، ولكن الأذى النفسي الذي يقع على مستوى الأسلوب والنبرة والسياق هي مناطق غالبا لا تغطيها الأنظمة. والالتزام الحرفي بالنص يعفي من المسؤولية الأخلاقية تجاه الطالب بشكل عام. اللائحة هنا لا تستطيع أن تضبط الأسلوب ولا تحاسب على الأثر النفسي. ومن هذه المنطقة الرمادية تنشأ غالب العلاقات المتوترة بين الأستاذ والطالب أو المؤسسة التعليمية ومن يرتادها من طلاب وموظفين.
فكيف يمكن أن نخلق بيئة تعليمية تتصف بالمرونة يمكن أن تحمي الطالب من أي استخدام ذي أثر نفسي سلبي قد يمارسه الأستاذ أو الإداري تجاه الطالب. البيئة التعليمية الصحية تبنى على منطق الرعاية والمرونة والإرشاد. وهذا لا يعني الفوضى بطبيعة الحال. ووجود هامش إنساني يسمح بمراعاة السياق الفردي للطلاب لن يخرق الأنظمة بل سيخلق بيئة ذات جودة تربوية عالية.
جودة التعليم لا تقاس بالمحتوى فقط وبالتطبيق الحرفي للوائح بل تضاف لها بالدرجة الأولى تجربة المتعلم وعدالة البيئة وسلوك من يطبق النظام، فلا يعد التعليم عالي الجودة إذا أنتج أذى نفسيا. ففي بعض السياقات يستخدم النظام بصورة سلبية تجعل السلوك يبدو موضوعيا ومحايدا، أو يستخدم بشكل حرفي لتبرير أي تصرف تعسفي، وهنا تصبح سلوكيات الأستاذ أو الموظف تبدو طبيعية ونظامية، بينما تترك أثرا سلبيا على جودة البيئة التعليمية وتحول المؤسسة إلى مكان غير آمن نفسيا.
ففي بعض السياقات التعليمية يعتقد أن التطبيق الحرفي للأنظمة واللوائح أداة نافعة لاستعادة السيطرة على المسيرة التعليمية مما يولد قرارات متعسفة أحيانا تكون على صورة تشديد مفاجئ أو عقوبات صارمة أو رفض أي استثناءات؛ ما يجعل التجربة الدراسية مليئة بالتوتر والخوف من الوقوع في الأخطاء ويصبح أقل خطأ مصدرا للإدانة والتقصير، فيدخل الطالب هذه التجربة وهو في وضع دفاع عصبي تجاه الخوف والتوتر والتجنب وتصبح التجربة التعليمية محاولة للنجاة والخروج بأقل الخسائر وليس للتعلم والتطوير. وهذا يجعل ظاهرة الانسحاب الجماعي من المقررات الدراسية وتغيير الشعب الدراسية ظاهرة أكاديمية قديمة ومعتادة لم ينظر لها بعين الاعتبار رغم أنها مؤشر تربوي يستدعي المراجعة والتحليل.
فكثير من الجهات الأكاديمية لا تفرق بين شرعية القرار (نظاميا) وأثره النفسي (تربويا)، وهذا التفريق مهم جدا لأنه يفسر كيف لسلوك صحيح إجرائيا أن يكون مؤذيا نفسيا، ويمكن ملاحظته في ظاهرة الانسحابات الجماعية والمتكررة وتأجيل المقرر على دراسته مع أستاذ معين، وكثرة الأعذار العامة وغير المحددة التي تؤكد أن القاعة الدراسية أصبحت مساحة توتر، الخطأ فيها غير آمن، وبالتالي تصبح التجربة التعليمية مرهقة نفسيا، والتعلم لا يتطور في بيئة غير آمنة نفسيا.
هناك ضرورة لوضع مدونة سلوك تربوية تعنى بطريقة ممارسة السلطة التعليمية تجاه الطالب، فالأستاذ ليس مجرد ناقل للمعرفة أو مطبق للأنظمة واللوائح فقط، بل فاعل تربوي مسؤول عن الأثر النفسي السلبي لسلوكه داخل القاعة الدراسية.