وجبر الخواطر من أسمى درجات الإحسان، وأصدق صور التراحم بين الناس؛ به تسود المحبة، وتُقوّى أواصر المجتمع، ويغدو الإنسان عونًا لأخيه، يسند المظلوم، ويواسي المكلوم، ويقف مع الضعيف، ويقضي حاجة المحتاج، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا»، في دعوة واضحة إلى أن يكون الإنسان دعامةً لغيره، لا سببًا في كسره.
وأصل الجبر مشتقٌّ من اسم الله الجبّار، الذي يجبر الفقر بالغنى، والمرض بالصحة، والخوف بالأمن، والحزن بالسكينة، وحين يتخلّى المرء عن أنانيته، ويتحلّى بالإيثار، ويستشعر مشاعر غيره، يصبح سببًا في تضميد قلبٍ منكسر، أو رفع همٍّ أثقل روحًا، أو مسح دمعةٍ عجزت الكلمات عن إيقافها.
وتطييب القلوب لا يحتاج إلى كبير جهد؛ فكلمةٌ صادقة قد تعيد الحياة إلى روحٍ أنهكها التعب، ودعوةٌ خالصة قد تفتح بابًا من الفرج، وابتسامةٌ صادقة قد تبثّ السكينة في قلبٍ مضطرب، فالمواقف الصادقة تُحفَر في الوجدان قبل أن تُكتب في السطور، وتبقى خالدة في الذاكرة، لا سيما في لحظات الانكسار التي تكشف قيمة اللفتات الصغيرة.
وجبرالنبي -صلى الله عليه وسلم- بخاطر أصحابه في هذا المشهد المهيب الذي نحتاج أن نتوقف معه طويلاً في إعادته وتأمله، وأخذ العبر والدروس منه، والعمل بها في واقعنا الذي نعيشه، قال جابر –رضي الله عنه- لما استشهد والده -رضي الله عنمهما- وترك جابرًا، ولم يترك له مالا بل تركه مدينًا وترك له أخوات فاجتمع على جابر -رضي الله عنه- هم فراق والده وهم الدين وهم الأخوات، وشاهده النبي -صلى الله عليه وسلم- فوجده حزينًا فجبر خاطره كما، قال جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ يَوْمَ أُحُدٍ، «لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم،: فَقَالَ: يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، قَالَ: أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللهُ بِهِ أَبَاكَ؟ قَالَ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ، تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً، فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يَرْجِعُونَ».. فكان هذا الموقف جبرًا عظيمًا بقي أثره في نفس جابر ما بقي الدهر.
ومن مواقف الجبر التي لا تُنسى ما وقع لأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في حادثة الإفك، حين دخلت عليها امرأة من الأنصار فجلست تبكي معها دون أن تنطق بكلمة، فقالت عائشة -رضي الله عنها: «لا أنساها لها»، لم يكن الموقف كلامًا، بل مشاركة صادقة في الألم، كانت أبلغ من الكلام.
وكذلك موقف طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- مع كعب بن مالك -رضي الله عنه- حين تاب الله عليه؛ إذ قام إليه يهرول في المسجد واحتضنه، فقال كعب: «لا أنساها لطلحة»، فكانت لحظة صادقة من جبر الخاطر خُلّدت في الذاكرة.
إن المواقف الصغيرة هي التي تصنع الذكريات الكبيرة، والوفاء لتلك اللحظات دليل رقيّ النفس ونُبلها؛ فكم من صمتٍ مواسٍ كان أبلغ من ألف كلمة، وكم من حضورٍ صادق ترك أثرًا لا تمحوه الأيام، وليس عجيبًا أن يقول الإمام سفيان الثوري -رحمه الله: «ما رأيت عبادةً يتقرّب بها العبد إلى ربّه مثل جبر خاطر أخيه المسلم».
وجبر الخاطر قيمةٌ أخلاقية لا تقف عند حدود الفرد، بل تمتد لتؤسّس روح التكافل في المجتمع؛ تكون بالكلمة الطيبة، والفعل الصادق، والدعاء الخالص، والنصيحة المخلصة، والابتسامة الصادقة، وهو خُلُقٌ يُؤلّف بين القلوب، ويعزّز وحدة الصف، ويقوّي تماسك المجتمع في مواجهة التحديات.
وهكذا يبقى جبر الخواطر أثرًا طيبًا يتجاوز لحظته، ويصنع في القلوب حياة، وفي المجتمع قوة؛ فليكن جبر الخواطر شعارنا، وطريقنا إلى قلوب بعضنا، وسببًا في نيل رضا ربنا.