«نودّ ألا يعتقد أحد أننا نطمح إلى إنشاء أية مدرسة أو طائفة فلسفية، كما فعل اليونانيون القدامى أو بعض المحدثين… إذ ليس هذا هدفنا، ونحن لا نعتقد أن الأفكار المجرّدة عن الطبيعة ومبادئ الأشياء تُحدِث تأثيرًا كبيرًا في أقدار البشر. وهكذا فإن جهدنا ليس مركزًا في هذه الموضوعات النظرية، والعقيمة في الوقت نفسه، وإنما استقر عزمنا على أن نحاول إيجاد أساس أمتن لقدرة الإنسان وعظمته، ومدّ حدودهما إلى أبعد الآفاق». و حين يقول بيكون: «الموضوعات النظرية والعقيمة في الوقت نفسه»، لا يقصد شيئًا آخر غير المنطق الأرسطي؛ إذ إنه انتقد علوم عصره، وانتقد الأداة التي أفرزت تلك العلوم، وهي المنطق الأرسطي.
ولفظة «الأورجانون» تعني الآلة؛ أي الآلة المنطقية لإنتاج العلوم. ولم يُسمِّه بهذا الاسم إلا إعلانًا للبراءة من منطق أرسطو، الذي كان يُعرف هو الآخر باسم «الأورجانون».
وفي المصدر نفسه (ص 92)، ألّف بيكون كتابًا بعنوان «النهوض بالعلم»، كرّ فيه على أرسطو، ووصفه بأنه «حاكم الفلاسفة المستبد». وينبغي أن نتفطّن إلى أن هجوم بيكون العنيف على أرسطو لم يكن باعتباره شخصية تاريخية فحسب، بل باعتباره شخصية حيّة؛ أي المرجعية العليا للعلوم في عصره.
كما ينعت بيكون الفلسفات السابقة عليه بأنها فلسفات لفظية، استحقارًا لها وتهميشًا لدورها، ويرى أنها ليست عديمة الجدوى فحسب، بل مضرة أيضًا؛ لأنها تشغلنا بالألفاظ عن مواجهة الطبيعة. ويقصد بذلك أنها اهتمت بالألفاظ دون البحث عن معناها الواقعي.
وقد حَمَلَ بيكون على الفلسفة اليونانية والوسيطة، واقتبس وصفًا لفلسفة أفلاطون وعمّمه على سائر الفلسفات، إذ يقول: «إنها حديث عجائز عاطلين إلى شبّان جاهلين»، لأنها فلسفات نظرية لا تمتّ إلى الواقع بصلة، وبالتالي فهي عاجزة عن منح الإنسان سلطته الحقيقية على الطبيعة. ويرى أن «الأورجانون الجديد» قادر على تمهيد الطريق للعلم؛ لأنه أقرب إلى الواقع من «الأورجانون القديم» عديم الفائدة. ويقرّر أن الأداة التي استخدمها الفلاسفة القدماء للوصول إلى نتائجهم الباطلة هي المنطق، ولذلك يجب معالجة هذا الفساد المنطقي.
اقتراب بيكون من الواقع الطبيعي، ونفوره من التنظير التجريدي، وتقديسه للعلم باعتباره القادر على خلق حياة سعيدة للإنسان، جعله يتنبأ بتوقعات مدهشة؛ إذ يذكر في كتابه «أطلانطس الجديدة» الصادر عام 1624 أن الناس سيصنعون عربات تنقلهم من مكان إلى آخر دون خيول تجرّها، وسيطيرون في الهواء بواسطة عربات تسير في السماء، وستوجد سفن تسير تحت الماء (الغواصات). كما تنبأ بالتكييف المنزلي، والتليفون، والمطر الصناعي، وتلقيح الفصائل الحيوانية والنباتية، وغير ذلك. ويُراجع في هذا السياق: مشكلات الفلسفة لبرتراند راسل، ترجمة خالد الغنامي (ص 98-99)، وكذلك آفاق الفلسفة لفؤاد زكريا (ص 96).
ويرى بيكون أن الطريقة الصحيحة للبحث هي تفسير الطبيعة، وذلك بدراسة الجزئيات وملاحظتها، ثم الصعود تدريجيًا وبحذر شديد إلى نتائج عامة. وهذا ليس مثل استقراء «الأورجانون» الأرسطي القديم – على حدّ رأيه – الذي يعتمد على ملاحظات قليلة ثم يقفز إلى تعميمات كبرى. فالمنطق القديم، في نظره يهدف إلى قهر الخصوم وإفحامهم، لا إلى الوصول إلى الحقيقة. كما يرى أن المنطق، حتى لو كان صحيحًا من الناحية الصورية، فقد يؤكد أفكارًا موجودة مسبقًا، لكنها باطلة في ذاتها.