لكنّنا، ويا لدهشتنا الساخرة، حوّلنا بعض العلاقات إلى مباريات نهائية لا تقبل التعادل. نختلف فنبحث عن منتصر، لا عن منصف. نتحاور فنُعدّ النقاط كما لو أنّ القلوب لوحاتُ نتائج. فإذا أخطأ الآخر، قلنا: أمسكتُ عليك الدليل! وكأننا قضاةٌ لا رفقاء، وخصومٌ لا أحبة.
لقد سجّل القرآن مشهدًا عابرًا في كلماته، عظيمًا في أثره: ﴿إذ يقول لِصـاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة: 40]. لم يكن المقام مقامَ محاكمة، بل مقامَ طمأنة. لم يكن إثبات نوايا، بل تثبيت يقين. قال: لا تحزن. لأن الله معنا. فإذا حضر ذكر الله في العلاقة سكنت، وإذا استُحضر توحيده طهُرت من شوائب الأنا، وإذا عُظّم في القلوب صغرت الخلافات.
وقال رسول الله ﷺ: «المؤمنُ للمؤمنِ كالبُنيانِ يَشُدُّ بعضُه بعضًا» متفق عليه. فكيف صار بعضنا يهدم بعضًا بحجّة الصراحة، ويُسقط بعضًا باسم العتب، ويستنزف بعضًا بذريعة الحرص؟ إن البناء يحتاج شدًّا، لا شدّة.
الحكيم سقراط كان يرى أن الإنسان يبدأ الحكمة حين يعترف بجهله، ولو تأمّلنا لوجدنا أن كثيرًا من خصوماتنا تبدأ حين نظن أننا نملك الحقيقة كاملة. وأرسطو تحدّث عن الصداقة بوصفها فضيلةً تقوم على الخير المتبادل، لا على التربّص المتبادل. أما ابن حزم الأندلسي فكان يعدّ احتمال الزلات من تمام المودّة، لأن من يطلب صديقًا بلا عيب سيبقى بلا صديق.
والعجيب أن كلمةً واحدة صادقة قد تُنهي نزاعًا امتدّ شهورًا. «سامحني» ليست هزيمة، بل شجاعة. «أخطأت» ليست سقوطًا، بل صعودا فوق كبرياءٍ متضخّم. ونظرة أمانٍ صافية قادرة أن تنزع خوفًا تراكم في صدرٍ ضاق. إن الله سبحانه هو السلام، ومنه السلام، وهو الذي أمر بالإحسان ونهى عن الظلم، فقال: ﴿إن اللَّه يأمر بالعدل والإحسـان﴾ [النحل: 90]. فكل علاقة لا يُظلّلها العدل، ولا تُزيّنها إحسان، علاقة تحتاج مراجعة.
قصة حديثة لشابّين دخلا في شراكة تجارية صغيرة. اختلفا في ربحٍ ضئيل، فتضخّم الخلاف حتى كاد يُسقط المشروع كلّه. جلس أحدهما ذات مساء، واستحضر أمر الله بالعدل والإحسان، فهاتف شريكه وقال: «خذ نصيبي كاملاً، ولا تخسر أخي لأجل أرقام». صمت الآخر طويلاً، ثم بكى، وأعاد المال، وقال: «كسبتني قبل أن تكسب الصفقة». اليوم مشروعهما أكبر، لكن الأجمل أن صداقتهما أعمق. لم ينتصرا على بعضهما، بل انتصرا معًا، لأنهما قدّما ما عند الله على ما عند الناس، وربطا قلوبهما بطاعته، لا بأرقامٍ عابرة.
الحياة تركض بسرعةٍ تُفزع، نعم، لكنّ الله لم يخلقنا لنُرهق بعضنا. خلقنا لنتراحم، لنتعاون على البرّ، لنتواصى بالحق والصبر. وكلما عظّمنا الله في قلوبنا، هانت علينا صغائر الخلاف. وكلما وحّدناه حقّ توحيده، انكسرت فينا أصنام الكِبر الخفية. فلا نطلب من الآخر كمالًا لا يملكه إلا الله، ولا نُحمّله ما لا طاقة له به.
السخرية الهادئة تقول إن بعضنا يهرب من صخب العمل إلى صخب العلاقة، ويشكو قسوة الأيام ثم يصنع قسوةً مضاعفة بيديه. نبحث عن الأمان ثم نزرع الشك، نطلب الرحمة ثم نبخل بها. ولو أننا تذكّرنا أن الله رحيمٌ يحب الرحماء، عفوّ يحب العفو، كريمٌ يحب الكرم، لأعدنا ترتيب أولوياتنا، وجعلنا الفوز الحقيقي هو بقاء الودّ، لا كسب الجولة.
إن العلاقة التي تقوم على مودةٍ صادقة، وعلى رغبةٍ حقيقية في الخير، شجرةٌ ضاربة الجذور في توحيد الله، سامقةٌ بأغصان الصبر، مثمرةٌ بثمار الصفح. قد تتحدّى عاصفة، لكنها لا تسقط، لأنها تستمدّ قوتها من يقينٍ بأن الله هو الحافظ، وهو اللطيف بعباده، وهو الذي يجبر القلوب إذا صدقت في قصدها.
فلنُخفف عن بعضنا. لنقل لمن نحب: لا تحزن… إن الله معنا. لنجعل من بيوتنا وأصدقائنا وأحبابنا استراحاتٍ للقلوب، لا ساحات خصام. عندها سنكتشف أن الجريمة الحقيقية في كثير من علاقاتنا لم تكن خطأ عابرًا، بل كبرياءً متضخمًا. فإذا اعترف القاتل، عادت الحياة إلى الضحية، وعادت المودّة كما أرادها الله: رحمةً تسكن، وسكينةً تحفظ، ونعمةً تُحمد.